يعني بكل ما هو قانون:نصوص قانونية، فقه وفقه قضاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
التبادل الاعلاني
منتدى
المواضيع الأخيرة
» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:40 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:39 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:38 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:38 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:37 am من طرف tip top center

» دورة في "الترجمة التتبعية"
الخميس سبتمبر 10, 2015 12:14 pm من طرف tip top center

الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم

شاطر | 
 

 القضاء الجزائي الفرنسي في عيون رجاله د. هايل نصر.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
maitre helmi
مشرف
مشرف


عدد الرسائل : 241
العمر : 35
تاريخ التسجيل : 10/09/2009

مُساهمةموضوع: القضاء الجزائي الفرنسي في عيون رجاله د. هايل نصر.   الخميس ديسمبر 31, 2009 2:03 am

القضاء الجزائي هوالمكان الذي تجتمع فيه كل التناقضات. قضاء غير واضح لغالبية المواطنين, ومع ذلك فهو الأكثر تناولا من قبل وسائل الإعلام. وبمقدار ما هو مطلوب بمقدار ما هو مُنتقد. هذا ما يقرره رجال هذا القضاء في غالبتهم يشاركهم في ذلك نسبة كبيرة من المواطنين, بمن فيهم الحقوقيون, والمثقفون بأنواعهم.
ونرى من الفائدة كل الفائدة النظر إلى تجارب الآخرين في مجال القضاء, وخاصة من البلدان ذات الأنظمة الديمقراطية, و المعروفة بعراقته وعمق تجاربها في هذا المجال.
والواقع ان رجال القضاء لايرون حرجا في نقد قضائهم, بهدف الكشف عن عيوبه لإصلاحها, بهدف تطويره ليتلاءم مع المستجدات غير المتوقفة في حياة المجتمعات. وعلى ضوء المصلحة العامة, و مصالح المواطنين. ولا يمنعهم من ذلك مانع.
سنتعرض لهذا الموضوع في حلقات تتناسب مع إمكانية النشر في صحف الكترونية, ومع صبر القارئ على مواضيع قد لا يرى فيها جاذبية كجاذبية مواضيع أخرى حديث الساعة, بما فيها الضاربة على أوتار حساسة تداعب المشاعر الآنية في التنامي المقلق لغموض مصير الإنسان العربي ومستقبل أبنائه, في مرحلة من واقعنا تعتبر اقرب إلى الضياع, إن لم تكن الضياع نفسه. فيُهيّج الشارع, على سبيل المثال, حذاء يجد فيه متنفسا للتعبير عن إذلال وظلم وقهر وقمع وغطرسة ونفاق وتلاعب بمصائر الشعوب, يتم بتواطؤ أجنبي غاز مع محلي مستبد, على اتساع الوطن من محيطه إلى خليجه. حذاء استحقه بجدارة رأس الموجه إليه, كما تستحقه رؤوس أخرى محلية يتعذر توجيهه أو وصوله إليها, رؤوس اشد ظلما وعنجهية على رعاياها ـ وظلم ذوي القربى اشد مرارة ـ هذا المناخ الفاسد المخيم منذ عقود مهد لانتشار غير مسبوق في تاريخنا لفكر وكتابات ومقالات كمقالات الأحذية والفنون الجديدة المستحدثة المسطحة كحذوة الحصان . وليس غربيا في انعدام المقدرة وإمكانية التعبير بوسائله الراقية والمفهومة, اللجوء إلى الوسائل المتاحة, الأقل رقيا وحضارة وتكلفة وجهدا, والمفهومة مع ذلك,
و سنضع بين يدي القارئ العربي بعض ما يثار حول القضاء الجزائي الفرنسي من أسئلة أدت منذ 30 عاما والى اليوم لتعديلات وإصلاحات عديدة ومتسارعة, اثر كل التعديلات القانونية, ودخول القانون الجزائي الجديد النفاذ عام 1994, وتوسع المشرع في التجريم والعقاب, بإيجاد جرائم جديدة تتعلق بالنظر للنظام العام, وحماية الأشخاص من تزايد اضطراب الأمن. وكذلك في تجريم وعقاب أفعال تعريض الغير للخطر. فظهرت فئات جديدة من الجرائم لتضاف إلى الجرائم الكلاسيكية. هذا إضافة لما حملته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان, و لما عرفته ممارسات المؤسسة القضائية نفسها من تطورات.
لا يقتصر النقاش حول القضاء الجزائي على الوسط القضائي, وإنما ساهمت وتساهم فيه كل الأوساط فالقضاء يُبنى يوما بعد يوم بواسطة الجميع, وتحت مسؤولة الجميع ( بيرو كالوجرو وكيل الدولة الايطالي في باديو 2003) .
وسلطت الأضواء عليه في فرنسا بشكل خاص تحت تأثير القضايا الكبرى التي عرفها مؤخرا, مثل قضية اوترو وقضية تولوز, وقضايا الاختفاء .. وكان الهجوم على هذا القضاء شرسا, إلى درجة اضطر معها السيد كانيفه G/ Canivet الرئيس الأول لمحكمة النقض الفرنسية إلى التصريح بأنه لا يجب تقديم القاضي ككبش فداء (جريدة لوموند 1/7/2005 ).
ومن بين من عبروا عن رؤيتهم لهذا القضاء, المحامي العام أمام الغرفة الجنائية في محكمة النقض الفرنسية ايف شاربنال Yves Charpenel في كتابه قضاؤنا الجزائي ( Notre Justice Pénale , Timée-Editions, 2008) . وسوف نكتفي هنا بالإشارة لكتابه هذا ليس فقط لمكانة المؤلف ووضع كتابه بعد 30 عاما من العمل القضائي, وإنما كذلك لطريقة العرض والتقديم, وإجابته على التساؤلات التي تطرح هنا وهناك, بعيدا عن الأسلوب الأكاديمي والإغراق في التنظير والتعميم.
لا نقوم بترجمة الكتاب الذي اعتبره النائب العام في محكمة النقض Jean-Louis Nadal بأنه جاء لتوضيح أمور قد لا يراها بدقة احد غير المتعمقين في القضاء, والقضاء الجزائي بشكل خاص, وإنما سنكتفي بالإشارة لبعض الأسئلة العشرين التي طرحها الكاتب وأجاب عليها بنفسه, وهي, كما يعلن, من وحي تجاربه وعلاقاته المهنية وغير المهنية, متوخين الدقة في عرض واحترام أرائه, ومحاولة إيصالها سليمة قدر الإمكان دون ضياعها في النقل والشرح
كما نسعى, ونحن نكتب للجميع وليس للمتخصصين, إلى عدم اللجوء إلى التعقيد والى لغة خشبية لهذا السبب أو ذاك. مدركين معاناة القضاء عندنا ومعاناة مواطنينا من القضاء. مذكرين بما ذهب إليه الشاعر الأمريكي Bob Dylan بقوله : من يستطيع أن يمنع نفسه من الخجل من كونه يعيش في بلد ليس القضاء فيه إلا مجرد ألعوبة
في الجزء الثالث من الكتاب المذكور, وبخبرة القاضي العريق المتمرس, وبأسلوب صياغة المذكرات والاستنتاجات والمرافعات (محامي عام) يطرح المؤلف 20 سؤالا يبدؤها بسؤال يعتبره أساس و أصل كل نقاش, وهو استقلال القضاء, بما فيه القضاء الجزائي. هل القضاء الجزائي الفرنسي مستقل؟
و يتساءل, قبل الإجابة, عما إذا كان غالبية من يطرح هذا السؤال يبحثون عن إجابة, أم يقصدون مجرد الإيحاء بإن القضاء غير مستقل فعلا. والواقع إن الكاتب لا يذهب لإثبات أو نفي الاستقلالية, وغير ذلك من الأسئلة , إلى أسلوب البحث الأكاديمي, أ و إلى الرياء السياسي. كما انه لا يدخل في الحديث عن فصل السلطات واستقلال السلطة القضائية تجاه السلطتين الأخريين, فليس هذا الموضوع الذي جعله هدفا لمؤلفه.
فالسؤال ليس جديدا, كما يعلن, فقد كان يطرح في القرن السابع عشر ليرسى قواعد الحذر العميق بين السلطة السياسية ودعاوى القضاة. وحاليا ومع أن الدستور الفرنسي ينص على وجود هيئة قضائية autorité judiciaire « بجانب السلطتين pouvoirs التشريعية والتنفيذية, فانه يبقى قائما ويثار في كل مرة ينظر القضاء فيها في قضايا أعمال كبرى أو تطال رجال سياسة.
تكون الإجابة على السؤال الذي يعتبره مثل الكثير من الأسئلة المطروحة حول القضاء الجزائي, بنعم و لا وذلك لتعقيد المسائل المطروحة. إذا نظرت للإجابة من الزاوية القانونية, فان الإجابة ستكون واضحة على الأقل في صياغتها: نعم القضاء مستقل وهذه الفضيلة مضمونة بالدستور, وبالقوانين وما جرى عليه العمل. وتكون لا لأن القاضي يبقى تابعا لولائه للقانون ولليمين الذي اقسمه, والذي يفرض عليه خدمة المصلحة العامة فقط, مثلما تفرضها القوانين النافذة.
وعليه فان القضاء الجزائي ليس مستقلا إلا في خيار موجبات القرارات التي يتخذها. والقضاة أنفسهم يشعرون بنوع قليل من الاستقلالية سواء أكانوا قضاة حكم أم قضاة نيابة. وهم قليلو التسامح مع زملائهم الذين يظهرون في خدمة قضية معينة أو شخص.
وكان النقاش, ولفترة طويلة, ينتهي بالرجوع إلى مفهوم ما يعتبره القاضي نفسه استقلالا الاستقلال هو قبل كل شيء مسألة صفات حسب ما يقوله التقليديون.
مشيرا إلى إن صدف الحياة القضائية تظهر أن استقلال القضاء الجزائي ليس مجرد قضية ضمير فردي, ولا مجرد مسالة نظام أساسي. فهو اليوم, كالبارحة, مسالة مثابرة في رقابة مدى التدخلات وحدودها.
لا ينازع احد, كما يعتقد, بان القضاة في النظام الفرنسي يعينون بعد اجتياز مسابقات, وبان رواتبهم مناسبة (مما يبعدهم عن الارتشاء) و بان مسيرتهم المهنية تتبع الهيئة المنظمة بقانون, وليس إرادة الحاكم أو الناخب. وهم أكثر حرية بكونهم غير تابعين لأحد, وإنما فقط ونسبيا للدولة.
ومن الواضح, أيضا, حسب الكاتب, إن هذا المقاربة تجري في الوقت الحالي, الذي تعمل فيه الدولة على التزود بقضاء مطابق للديمقراطيات غير المنازع فيها, وليس في فترات عدم الاستقرار, التي كان القضاة فيها مدعون لتأدية القسم بالموالاة للنظام السياسي القائم.
ويرى صعوبة الادعاء بالاستقلالية في حالة الخضوع لضغوط الأطراف الأكثر قوة, أو الأكثر غنى, أو الأكثر تهديدا. إذا حاولت الاقتراب أكثر من حقائق القضاء الجزائي, ألاحظ, بشكل خاص, بان هذه الأسئلة المتعلقة بالاستقلال لا تطرح علنا, إلا بمناسبات توضيح الواقع القضائي. إذن بالنسبة لعدد قليل من الأوضاع. ولكن ألاحظ انه في المقابل إن القاضي أو نائب الجمهورية, أو النائب العام يتجاوزون الضغوط البسيطة المواجهة لهم, ويبقون على مسافة واحدة من المصالح المتعارضة, واتخاذ القرارات بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الميول أو الإغراءات, وعدم النطق إلا بما يُعتقد انه سليم وعنوان الحقيقة. المقاومة في هذا الاتجاه تعتبر نضالا حقيقيا ومستمرا.
غالبية تهديدات القضاء الجزائي تكون في الخفاء, وليس في العلن: فالتهديد الصريح والعلني وإحباطه أكثر سهولة من التصدي لضغوط متخفية ومداهنة لا تعلن عن طبيعتها.
بقدر ما يكون الاعتداء على الاستقلال واضحا, بقدر ما تكون مقاومته أكثر سهولة. رغم كل الجهود الشجاعة المبذولة لاحترام الاستقلال الذي تقتضيه المصلحة الديمقراطية التي لا تثير رسميا أية صعوبات, يبقى القضاء الجزائي مع ذلك معرضا للصدف والاحتمالات .
وهذه, بشكل خاص, حالة الكثير من أصحاب القرار السياسي أو الاقتصادي الذين يستغربون أو يتظاهرون بالاستقراب بان الدعاوى القضائية يمكن إن تلاحقهم و تطالهم مباشرة.
النقاش حول استقلال القضاء الجزائي ليس نظريا بحتا, كما يبين المثال عام 1980 حيث تم توقيف وزير وحكم عليه بعقوبة جزائية لأنه حاول تخويف intimider قاضي تحقيق. أو مثال قاضي التحقيق المكلف بتحقيق حول اختلاس في إحدى البلديات التي يديرها احد المنتخبين المحليين المشهورين, حين وجد القاضي المذكور في اليوم التالي صورته منشورة في الصفحة الأولى لإحدى الجرائد, مع مقال بعنوان القاضي المغتصب كاتبة ضبطه.
في مثل هذه الأمثلة كان رد فعل المسؤولين القضائيين سريعا وفعالا, لأن لاعتداء على استقلال القضاء هنا واضح وخطير.
ولكن من الصعب الحفاظ على الاستقلال عندما يتم تهديده خفية و بلباقة. ويقدم هنا المؤلف مثالين اختارهما من بين أمثلة عديدة: مثل نائب الجمهورية procureur de la République , غداة إصدار منشور من قبل إحدى نقابة الشرطة, مقترحا على مساعديه عدم ممارسة رقابة على التوقيف garde à vue بهدف عدم إعطاء الانطباع للشرطة بان النيابة حذرة منهم. أو مثال النائب العام procureur général داعيا أعضاء نيابته إلى التحفظ في فترة الانتخابات في يتعلق بمباشرة الملاحقات أو التحقيقات المتعلقة بالمسؤولين السياسيين, قبل وأثناء وبعد الاستحقاق الانتخابي السياسي, وهذا ما يؤدي إلى تضييق الممارسة الطبيعية لمباشرة الدعوى العامة.
بين التدخل الظرفي في النشاط القضائي, والرقابة الذاتية autocensure , وبين الفاعلين في هذا القضاء, فان المحاكم الجزائية تبقى, بشكل عام, بمعزل عن هذه الضغوط, والتي تجري بعدم اهتمام, كبير, يضمن لها على الأقل قاعدة حقيقية من الجدية والاستقلال الفعال.
وباختصار, إذا سار القضاء الجزائي بالسرعة والكيفية المناسبة, فسوف لا يكون هناك مشكلة تتعلق بالاستقلال. ولكن فترة الاضطرابات في الحياة اليومية القضائية تذكر بان الرهان لم يكتسب مقدما.

.../...
لا يجب التخلي عن الحذر, لان هناك صيغا أخرى من التبعية تُفرض على مختلف الفاعلين في القضاء الجزائي : فالصيغة المقدمة تحت عبارة واجب النزاهة سوف تقدم لنا بان التهديدات الخارجية لاستقلال القضاء ليست هي الوحيدة, لأنه يجب كذلك أن نكون مستقلين تجاه أنفسنا.
السؤال الثاني الذي يطرحه الكاتب ويجيب عليه بنفسه هو:
هل قضاؤنا الجزائي نزيه؟
الاشتباه هنا متعلق بالقاضي مباشرة: كيف يمكنه التأكد من أن قراراته لا تُستوحي إلا من روح العدالة, وليس من اعتبارات فيها محاباة لأحد أطراف النزاع؟.
واجب النزاهة موجود في الأنظمة القضائية في كل مكان وفي كل زمان. ويبين المؤلف انه لا يستطيع مقاومة التذكير بان إلى ما قبل قيام الثورة الفرنسية كانت اللوحة الرمزية الأكثر عرضا في المحاكم عرش Cambyse كذكرى تعود إلى ذلك الإمبراطور (600 ـ 559 قبل الميلاد) حين عيّن القاضي الأعلى رتبة من بين القضاة, وقدم له مقعدا من جلد كبير القضاة السابق عليه, الذي ارتكب اكبر الجرائم التي يمكن أن يرتكبها قاض : وهي محاباة صديق له عند إصداره حكمه. ففكرة الجلوس على مقعد مثل ذلك يذكر القاضي, خليفته, بعدم نسيان واجباته.
ويذكر بأنه منذ الثورة الفرنسية جرى تمثيل العدالة بصورة امرأة مهيبة, ولكنها عمياء خرساء وصماء, صفات مفترضة أنها ضمان للنزاهة.
منذ الإدخال الصريح لواجب النزاهة في المادة التمهيدية في قانون الإجراءات الجزائية, أصبحت حساسية هذه المسالة أكثر حيوية . يعرف القضاء الجزائي ويطبق, منذ وقتل طويل, قواعد تنص على عدم التعارض مع مهنة القضاء : مثل عدم ملائمة المهام التي سبق للقاضي القيام بها, و المرتبطة بمهنة القاضي, مع مهام لاحقة له في نفس القضية. فالقاضي الذي قام بمهام التحقيق تمتنع عليه مهام الجلوس للحكم فيها. وتلك المتعلقة بالقرابة بين القضاة وأطراف الدعوى. وزيادة في الحذر فقد طور مجلس الدولة نظرية ملزمة حينما لم ينتقد فقط عدم النزاهة, وإنما كذلك مظاهرها. وهكذا تمت حديثا إدانة فرنسا لرفضها إلغاء دعوى قام في نهاية جلستها النائب العام بالتقدم من رئيس الجلسة لمصافحته, مما اعتبره الدفاع مؤشر على التواطؤ بين الاتهام والقاضي.
ومثلما هو الحال بالنسبة للاستقلال فان الضرر يكون اكبر عندما يكون التهديد خفيا: لا احد يشك بضرورة تجنب أن يكون القاضي في قضية معينة زوج وكيل الدولة, أو المحامية, أو العكس. ولكن الأمر يكون أكثر صعوبة في كشفه عندما تكون هذه الروابط غير رسمية. والقضاة واعين بان إخفاء روابط غير معروفة علنا يعتبر خطأ مهنيا يرتب عقوبات تأديبية, عندما يكون لذلك اثر غلى سير العدالة.
لا احد يدرك كالقاضي إلى أي حد, والى أية درجة يمكن أن يشتبه بانحيازه, وبشكل خاص من قبل من تمت إدانتهم. فهؤلاء يحاولون إقناع الآخرين, وأنفسهم, بأنهم غير مذنبين. وان الإدانة كانت نتيجة لعدم نزاهة القاضي, ولتحيزه لخصومهم.
وفي مجال الإيحاء بإمكانية تحيز القاضي واستمالته, يقدم المؤلف من تجاربه أمثلة حسية : شكرني بحرارة احد المتهمين الذي كنت قد أفرجت عنه لنقص الأدلة. وحاول أن يوحي لي بأنه قد فهم أن مراعاتي لمصالحه لم تكن لتتحقق لولا علاقاتي الجيدة بمحاميه (والواقع إني كنت قد ألقيت على المحامي التحية في قاعة الجلسات, وهذا نوع من المجاملات التي يجب أن تبقى وتستمر, ولكن بتحفظ).
احترام مبدأ النزاهة يتطلب انتباها وحذرا مستديما, لان الوقوع في عدم النزاهة قد يأتي من حيث لا نتوقع. ويقدم بهذا الصدد ثلاثة أمثلة:
المثال الأول:
عند شغلي لمنصبي الأول في القضاء, كنت اجلس للنظر في القضايا الجنحية البسيطة كقاض منفرد. وكنت ألاحظ بفضول أن احد الأشخاص, لا اعرفه ولا اعرف عمله, يدخل مكتبي مبتسما قبل كل جلسة ليحيني بلباقة فائقة وود كبير, وليخرج بشوشا مثلما دخل. بعد أسابيع عرفت من زميل لي أكثر خبرة و أقدميه مني, بان هذا الشخص كان يذهب فور خروجه من مكتبي لمقابلة أشخاص موقفين سأقوم بمحاكمتهم, مؤكدا لهم بأنه قد حصل مني على الرأفة بهم. وفي نفس الوقت مبينا لهم مدى صلاته, فقد رأوه يخرج من مكتبي. وبان العقوبة التي كنت لا افرضها بحدها الأقصى كان الفضل فيها لتلك الصلة (علما باني لم اقن مطلقا افرض الحد الأقصى للعقوبات).
المثال الثاني.
كنت حينها اشغل مهام نائب الجمهورية procureur de la République في منطقة باريسية. اقتيد أمامي زوجان مدرسان منحرفان جنسيا نحو الأطفال, عذبوا واغتصبوا وأهانوا أولادهم الثلاثة. وصرحا أمامي دون حذر باني صارم ومتشدد ومتخلف لاتهامهم بما اعتبروه تعبير عن حريتهم في سلوك ممتع ورائد. وعندما وعدت ورأيتهما, هذه المرة في محكمة الجنايات, انتبهت إلى إن التقزز الذي شعرت به أنا الذي اعرف تفاصيل قضيتهما وملفهما وشخصيهما, يمكن أن يضر بفاعلتي كنائب عندما سأشرع بمرافعتي, لآن الذي ينتظر من قاض ليس التعبير عن ذاته, حتى ولو كان ذلك مفهوما في مثل هذا السياق, ولكن التحليل الحيادي للملف.
المثال الثالث:
كنت وقتها مدير القضايا الجزائية في وزارة العدل. استلمت رسائل عديدة تشكك في نزاهة نائب للجمهورية, بعبارات قاسية جدا, وعلى قدر كبير من التشابه في التبرير. يتبين من الملف الشخصي لهذا القاضي وسلوكه وسمعته بأنه مثالي. كان يُهاجم لمرافعاته, ولظهوره العلني الموشى به, على انه يشهد على ميوله الدينية والسياسية, في دائرة تشكل فيها هذه المسائل حساسية كبيرة. وبشكل خاص عندما تتعلق القضايا بمسائل تضع في مجال الشك رجال كنيسة أو قضايا مالية تمس سياسيين محليين محافظين جدا.
هذا الشك القوي بالنزاهة الذي لا يدل عليه أي إجراء من الإجراءات التي يتخذها النائب المعني, لم يتم تبديده إلا عندما وصل إلى علمه بان شبهة, تتعلق بمعتقد ديني, كان قد تم إعدادها له بشكل محكم و كاف لإلهاب المشاعر ضده, والتنديد بتحيز القضاء الجزائي وعدم نزاهته.
وأخيرا السؤال, الذي لا علاقة له بالأسئلة العشرين التي طرحها المؤلف, يخص عالمنا العربي المتميز والفريد في قرننا هذا, ونتمنى الإجابة عليه من احد قضاة هذا العالم, هل مسموح تسليط الأضواء على قوانيننا الجزائية. والحديث عن استقلا ل ونزاهة ومسؤولية القضاء بشكل عام, والجزائي بشكل خاص؟. هل يسمح, بمجرد التفكير, برسم سياسة جزائية, تطال الفساد والمفسدين, والمرتشين, و مبذري أموال الشعوب وطاقاتها, أينما كانت مواقعهم؟. وتجريم وعقاب الاعتداءات على كرامات المواطنين وحقوقهم المادية والمعنوية. بحيث لا تبقى الجريمة جريمة الضعيف أو المستضعف وحده, والعقوبة لا تطال أحدا غيره؟.

د. هايل نصر.
المصدر مدونة الكاتب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com/profile.forum?mode=editprofile
 
القضاء الجزائي الفرنسي في عيون رجاله د. هايل نصر.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى القانون والقضاء :: 
منتدى القانون الجزائي
 :: قسم الجزائي العام
-
انتقل الى: