يعني بكل ما هو قانون:نصوص قانونية، فقه وفقه قضاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
التبادل الاعلاني
منتدى
المواضيع الأخيرة
» إعداد وصياغة وتنفيذ ومراجعة العقود الإدارية
الثلاثاء أغسطس 26, 2014 12:07 pm من طرف صبرة جروب

» صياغة اللوائح التنفيذية، والأنظمة المرتبطة بالقوانين والقرارات الوزارية، والنشرات الدورية والتفسيرية
الثلاثاء أغسطس 19, 2014 1:45 pm من طرف صبرة جروب

» الأصول الفنية لكتابة المشورة والفتوى القانونية
الخميس أغسطس 14, 2014 7:38 pm من طرف صبرة جروب

» صياغة العقود ذات الصلة بالبنوك
الثلاثاء أغسطس 12, 2014 8:40 am من طرف صبرة جروب

» جرائم أسواق المال وطرق الحماية القانونية
السبت أغسطس 09, 2014 10:24 am من طرف صبرة جروب

» كتابة الأحكام القضائية وقرارات اللجان شبه القضائية واللجان الإدارية ولجان التحقيق في المخالفات والتظلمات
الأربعاء أغسطس 06, 2014 6:35 pm من طرف صبرة جروب

» صياغة العقود ذات الصلة بالبنوك
الأحد يوليو 20, 2014 10:33 am من طرف صبرة جروب

» جرائم أسواق المال وطرق الحماية القانونية
الأربعاء يوليو 16, 2014 12:12 pm من طرف صبرة جروب

» كتابة الأحكام القضائية وقرارات اللجان شبه القضائية واللجان الإدارية ولجان التحقيق في المخالفات والتظلمات
الأربعاء يوليو 09, 2014 9:24 am من طرف صبرة جروب

الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
شاطر | 
 

 أركان جريمة عدم دفع مال النفقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ALHADDAD
المشرف العام
المشرف العام


عدد الرسائل: 518
العمر: 36
تاريخ التسجيل: 19/02/2008

مُساهمةموضوع: أركان جريمة عدم دفع مال النفقة   الجمعة فبراير 22, 2008 8:13 pm

الشروط المنشئة للجريمة


بقلم : مصطفى الشهباني


يعاقب المشرّع التونسي صلب الفصل 53 مكرر من م.أ.ش لمدة تترواح بين ثلاثة أشهر وعام وبخطية من مائة إلى ألف دينار، كل شخص قضى شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه (المبحث الأول) وثبت تعمده الامتناع عن الأداء (المبحث الثاني).
المبحث الأول : قضاء شهر دون دفع ما حكم عليه بأدائه
لقيام الركن المادي لجريمة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق، يجب توفر عنصرين إثنين، أولهما صدور فعل سلبي يتمثل في عدم الدفع، (الفقرة الأولى)، وثانيهما امتداده في الزمن (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : عدم دفع المبلغ المحكوم بأدائه
إن معرفة احتساب المبلغ المحكوم بأدائه، تستوجب أولا معرفة كيفية احتساب الدين الأصلي (أ)، وثانيا معرفة احتساب فائضه القانوني (ب).
أ- احتساب الدين الأصلي
لئن كان المشرع قد حدّد بكل وضوح المعايير المعتمدة من قبل القاضي لتحديد المبلغ المستحق بعنوان نفقة أو جراية طلاق، فإنه سكت في المقابل عن تحديد التاريخ المعتبر والمعتمد لانطلاق احتساب المبلغ. لذلك سوف نحاول أن نقف عند المقصود من عبارة "دون دفع ما حكم بأدائه" سواء تعلق الأمر بالنفقة (أولا) أو بجراية الطلاق (ثانيا).

أولا : بالنسبة للنفقة
بالرغم من غموض عبارة "دون دفع ما حكم بأدائه" فإن القرارات الصادرة عن محكمة التعقيب لم تكن كثيرة، ولم توضح المنشورة منها مراد المشرع من تلك العبارة.
فقد ذهب البعض إلى اعتبار ذلك جملة المبالغ المتخلدة بذمة المحكوم عليه بالأداء، أي من تاريخ القيام من طرف الزوجة بقضية في النفقة، إلى انقضاء أجل الشهر المشترط قانونا. فلو صدر الحكم بالنفقة خلال شهر جانفي 1988 مثلا، يقضي بإلزام الزوج بالإنفاق على زوجته بحساب خمسون دينارا في الشهر بداية من تاريخ القيام المحدد في غرة نوفمبر 1987، ولم تتولى الزوجة إعلام زوجها بالحكم الإخلال شهر أفريل 1991، ففي هذه الحالة، فإن المعني بالإنفاق يكون ملزما بدفع المبلغ الممتد من بداية تاريخ القيام إلى حدود انتهاء أجل الشهر من تاريخ الإعلام. ويعلّل أصحاب هذا الرأي موقفهم، بأن جريمة عدم دفع النفقة أو جراية الطلاق هي طريقة جبر على أداء الديون. كما يتعلّل بعضهم بوجود قرار تعقيبي في هذا الاتجاه إذ ينص على أنه "تكون جريمة إهمال عيال متوفرة الأركان إذا بقي عمدا المحكوم عليه بالأداء أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يؤدي لخصمه ما تخلد بذمته…"( ).
فما تخلد بالذمة هو الدين الذي أقره القضاء، وحدّد معينه بضبط تاريخ القيام، وهذا التوجه يبدو خطيرا نظرا لتعمّد بعض المتقاضين التنكيل بالمحكوم عليهم بالأداء وتأجيل الإعلام بالحكم لمدة تجعلهم على يقين بأن الملزم بالأداء لن يكون قادرا على إبراء ذمته، مما يترتب عليه إدانته، ويبرر لاحقا القيام بقضية في الطلاق للضرر.
كما أنه يبدو مخالفا لروح النص، فما حكم بأدائه هو صرف معين النفقة مشاهرة وبالحلول ولا تتكون الجريمة إلا من تاريخ الإعلام وبقاء المعني عمدا شهرا كاملا دون أداؤها. أما ما سبق الإعلام، فإنه يتجه اعتباره دينا مدنيا غير موجب للتتبع وإنما للاستخلاص طبق قواعد القانون المدني. ويبدو أن هذا التوجه الثاني منطقي لتجنّب الإسراف في حماية المحكوم لفائدته بالنفقة( )، خاصة وأن بعضهم أصبح يستعمل طرقا ملتوية للإيقاع بالمحكوم عليه والتشفي منه مثل الرجوع للمساكنة والاحتفاظ بالحكم مدة طويلة لما يمكن أن يطرأ.
ثانيا : بالنسبة لجراية الطلاق
يختلف الحل بالنسبة لجراية الطلاق، إذ لا يمكن احتسابها منذ تاريخ القيام بقضية في الطلاق، لأن في هذا التاريخ لازالت العلاقة الزوجية قائمة.
كما لا يمكن اعتماد تاريخ الحكم بها في حكم الطلاق، لأن المفارقة لا تستحق الجراية إلا بعد انقضاء فترة العدة ولا يمكن الجمع بين النفقة والجراية.
وهنا من الممكن أن ينشأ إشكالا آخر، فماذا لو وقعت المطالبة بجراية الطلاق كتعويض عن الضرر المادي في قضية أصلية مستقلة وأمام دائرة المدني العام بالمحكمة الابتدائية بعد صدور حكم الطلاق ؟
في هذه الحالة نميز بين صورتين :
- الصورة الأولى : إذا ما صدر الحكم بالجراية بعد انقضاء العدة، فإن الدين يصبح ثابتا منذ تاريخ التقدير، ويصبح تاريخ الحكم بالجراية هو تاريخ بداية الاحتساب.
- الصورة الثانية : إذا ما وقع التصريح بالحكم القاضي بجراية الطلاق قبل انقضاء العدة فإن التاريخ المعتمد لبداية احتساب الدين، هو تاريخ انتهاء العدة( ). فإذا ما ثبت دين النفقة أو جراية الطلاق وأصبح حالا وطولب به ولم يستجب لمطلب الأداء فإن تلدّد المدين يتسبب حتما في إجراء الفائض.


ب- الفائض القانوني :
لا جدال في كون النفقة وجراية الطلاق يعتبران من الديون المدنية، وباعتبارهما كذلك فإن السؤال المطروح يتمثل في ما يلي :
هل يمكن الحديث عن فائض قانوني في إطار دين النفقة أو جراية الطلاق ؟
بالعودة إلى الفصل 1100 من م.إ.ع نجده ينص على ما يلي : "إذا لم تضبط الأطراف نسبة الفوائض، فإن الفائض القانوني الذي يقع تطبيقه هو التالي : أولا : في المادة المدنية يساوي هذا الفائض 7%…" والملاحظ أن النص المذكور يتحدث عن الفائض القانوني في المادة المدنية والمقصود بذلك كل الديون المدنية التي يكون موضوعها أداء مقدار مالي معين، خاصة وأن عبارة النص جاءت مطلقة ويجب أن تحمل على إطلاقها. لذلك فلم يستثني المشرع التونسي لا صلب هذا النص أو صلب النص المجرّم لجنحة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق، كل من دين النفقة أو جراية الطلاق من مبدأ سريان الفائض القانوني.
ولذلك، فإن مسألة الفائض تبقى مقبولة قانونا ولا شيء يمكن أن يحول دون ممارسة حق المطالبة به، ليكون وسيلة ضغط على المدينين والمتهمين الذين يتعمدون الخلاص بعد مضي سنوات تشفيا في الدائن المحتاج. ودون هذا الفائض القانوني تكون عملية الخلاص مصدرا للمماطلة وغير عادلة، نظرا لحالة الانكماش المالي، فمبلغ من المال يفقد قيمته بعد مدة من الزمن ولو كان وجيزا( ).
والملاحظ أن المحاكم لا تفرض هذا الفائض القانوني ولعل السبب في ذلك إحجام الدائن عن مطالبته بفائض الدين خاصة إذا كان من الفروع أو من الأصول.
ومهما كان السبب، فإن مسألة الفائض تبقى موكولة أولا وبالذات لإرادة الأطراف، فإن أحسوا بالحرج أحجموا عن الطلب ولا يمكن للقاضي أن يفرض الفائض لأنه لا يهم إلا مصلحة المتقاضي.
ولا يعتبر عدم دفع ما حكم بأدائه موجبا للتتبّع، إلا إذا تواصل فعل الامتناع وامتد على نحو شهر من تاريخ إعلام المدين بالحكم الصادر ضده.
الفقرة الثانية : الامتداد في الزمن
حتى يمكن تتبّع المحكوم ضده بالنفقة أو بجراية طلاق من أجل عدم الدفع، لا بد أن يبقى مدة من الزمن دون دفع ما حكم عليه بأدائه حسب عبارة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش فقبل تنقيح 1981 الذي أضيف بمقتضاه الفصل 53 مكرر، كانت هذه الجريمة مدرجة في أمر 22 ماي 1926 المنقح بالأمر المؤرخ في 13 ديسمبر 1928، والمدة فيها لا تقل عن ثلاثة أشهر، ومنذ تنقيح 1981 صارت هذه المدة شهرا واحدا فقط، وحافظ تنقيح 1993 على نفس المدة دون أن يقلّص فيها. وأجل الشهر أجل معقول، باعتبار أن النفقة في حدّ ذاتها كجراية الطلاق تدفع مشاهرة، وبعبارة أخرى فإن التخلّف عن الدفع المحكوم به مرة واحدة فقط، يؤدي لإحالة المتخلف عن الأداء على أساس أحكام الفصل 53 مكرر م.أ.ش.
يبقى السؤال المطروح في هذا المجال : هو كيف يتم احتساب أجل الشهر من ناحية، (أ)، ومن ناحية أخرى ما هي الآثار المترتبة عن انقضاءه دون دفع ما حكم به (ب).
أ- احتساب أجل الشهر :
من البديهي أن يكون لأجل الشهر المشترط صلب الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، نقطة بداية لاحتسابه (أولا)، لكن قد تطرأ بعض الأعمال التي من شأنها أن تقطع هذه المدة (ثانيا).
أولا : بداية احتساب أجل الشهر
لقد عرّف المشرّع التونسي صلب الفصل 141 من م.إ.ع الشهر عند تحديده لمقدار الأجل، "فإذا قدّر الأجل بالأسابيع أو الأشهر أو السنين اعتبر الأسبوع سبعة أيام كاملة والشهر ثلاثين يوما كاملة والسنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما كاملة" وهذا ما قامت بتكريسه محكمة التعقيب التونسية في العديد من قراراتها( )، حيث جاء بأحدها "إذا قدّر الأجل بالأشهر اعتبر الشهر ثلاثون يوما"( ).
ولكن لا بد من التفريق بين آجال الالتزامات، وآجال الطعن في الأحكام، بحيث أن آجال الطعن في الأحكام والقرارات القضائية إذا كانت محددة بالشهر، فإنها تحسب من اليوم الذي تصدر فيه إلى اليوم الذي يقابله في الشهر التالي. ولا مجال لتطبيق الفصل 41 من م.إ.ع الذي حدّد الشهر بثلاثين يوما، إذ أن هذا النص إنما يتعلق بنصوص الآجال التي تحسب فيها تطبيق الالتزامات ولا علاقة له بآجال الطعون في الأحكام، التي هي خاضعة لأصول المرافعات المنظمة لها لا للقواعد المقررة بالقانون المدني.
لكن الإشكال الذي بقي مطروحا هو تاريخ ابتداء العد لاحتساب هذا الأجل ؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل، تستوجب منا التوقف عند التفرقة بين الحكم الصادر عن محكمة الناحية (1) والحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية (2).
1- الحكم الصادر عن محكمة الناحية
يجوز أن يصدر حكم قاضي بالنفقة لفائدة الأبناء أو الزوجة أو غيرهما من المستفيدين من واجب الإنفاق، عن حاكم الناحية حسب الإجراءات العادية للتقاضي لدى محكمة الناحية. فمتى يبتدأ احتساب أجل الشهر ؟
بالعودة إلى الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، نلاحظ أن المشرع سكت عن تحديد نقطة ابتداء عدّ أجل الشهر. وقد برّرت وزارة العدل سكوت المشرع هذا وعدم تنصيصه على شرط الأعلام القانوني، باعتباره نقطة احتساب الأجل المنصوص عليه صلب الفصل 53 مكرر بقولها "أن النص واضح في كون الجريمة لا تستكمل عناصرها إلا إذا تعمّد المحكوم عليه بالنفقة أو بالجراية البقاء مدة شهر كامل دون دفع ما عليه. والأحكام الصادرة بالنفقة أو بالجراية هي كسائر الأحكام المدنية، لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد الإعلام بها. فتعمّد عدم الخلاص في هذه الحالة لا يتصوّر إلا بعد إتمام الإجراءات القانونية التي منها الإعلام. ولهذا السبب لم يتعرّض المشرّع للإعلام ولا نرى على كل حال موجبا لذكره لكونه من الأمور البديهية"( ).
وقد أكدت محكمة التعقيب في قرار صادر عنها في الثمانينات إنه "اقتضى الفصل 53 مكرر من م.أ.ش ، إن المحكوم عليه بالنفقة إذا أعلم بالحكم ومضى شهر على ذلك فإنه يصبح مرتكب لجريمة إهمال عيال…"( ).
فهذا القرار التعقيبي اشترط صراحة أن يكون هذا الحكم قد وقع الإعلام به، وهذا الإعلام يكون بالطرق القانونية التي تضمنتها مجلة الإجراءات المدنية والخاصة بالإعلامات والاستدعاءات شكلا وآجلا وصيغا قانونية.
لذلك يمكن القول أن الأحكام الصادرة عن محكمة الناحية وككل الأحكام المدنية لهذه المحكمة، فإنها غير قابلة للتنفيذ إلا بعد الإعلام بها عن طريق عدل تنفيذ وحسب الإجراءات القانونية. والحكم الذي لم يقع الإعلام به لا يكون له أي تأثير أو أثر قانوني بالنسبة للذي صدر ضده، وهو غير قابل للتنفيذ. وعلى عكس بقية الأحكام، فإن للمعلم بحكم النفقة في نفس الوقت الحق القانوني في الطعن فيه ويصبح منذ لحظة الإعلام ملزما بالتنفيذ رغم قيامه بالطعن بالاستئناف، باعتبار أن الاستئناف لا يوقف التنفيذ.
وعموما يجوز اعتبار وأن الشهر الذي يتحدث عنه الفصل 53 مكرر، تحسب أيامه منذ اليوم الموالي لتاريخ الإعلام بالحكم القاضي بالنفقة والصادر عن محكمة الناحية.
لئن كان هذا الحل يهم الأحكام الصادرة عن محكمة الناحية، فما هو التاريخ المعتمد لبداية احتساب أجل الشهر إذا كان الحكم صادر عن دائرة الأحوال الشخصية ؟


عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة فبراير 22, 2008 8:19 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
ALHADDAD
المشرف العام
المشرف العام


عدد الرسائل: 518
العمر: 36
تاريخ التسجيل: 19/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: أركان جريمة عدم دفع مال النفقة   الجمعة فبراير 22, 2008 8:14 pm

2- الحكم الصادر عن دائرة الأحوال الشخصية :
تصدر دائرة الأحوال الشخصية حكما بالطلاق، قد يتضمن إلزاما قضائيا بالنفقة (للأبناء) أو بجراية الطلاق للزوجة هو بالضرورة الحكم المعني بعبارات الفصل 53 مكرر من م.أ.ش
لكن هل يمكن أن نقول مع وزارة العدل في إطار إجابتها عن التساؤل الذي طرحته لجنة التشريع العام في خصوص بداية احتساب أجل الشهر، أن "... الأحكام الصادرة بالنفقة أو بالجراية هي كسائر الأحكام المدنية لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد الإعلام بها..." ؟
الإجابة تكون طبعا بالنفي، على أساس وأن الحكم الصادر عن دائرة الأحوال الشخصية ونخص منها بالذكر الحكم القاضي بجراية طلاق، يتميز بخصوصيات إجرائية هامة متصلة بكيفية الإعلام به والطعن فيه وبالتالي بكيفية قابليته للتنفيذ.
فقد تضمن القانون عدد 3 لعام 1957 المؤرخ في غرة أوت 1957 المتعلق بمجلة الحالة المدنية، استثناءا هاما يخص أجل الاستئناف في الأحكام الصادرة في مادة الطلاق. وقد جاء فيه حرفيا ما يلي : "وتجري أجال الطعن في الأحكام والقرارات الصادرة في مادة الطلاق أو بطلان الزواج في ظرف شهر من تاريخ الحكم أو القرار وذلك بالنسبة لجميع ما اشتمل عليه بما في ذلك الغرامة".
فأحكام الطلاق ليست في حاجة للإعلام بها، حتى يقع احتساب أجل الاستئناف بل إن هذا الأجل يبدأ من تاريخ صدور الحكم، ويتواصل لمدة شهر كامل، فهل أن بداية احتساب الأجل الوارد بالفصل 53 مكرر من م.أ.ش يبدأ كذلك من تاريخ صدور الحكم بالطلاق والمتضمن أحكاما بالنفقة أو بجراية طلاق؟
في الحقيقة يمكن الإجابة عن هذه الإشكالية القانونية بطريقتين مختلفتين وهما :
- الطريقة الأولى : اعتبار أن أجل الشهر الوارد بالفصل 53 مكرر جديد من م.أ.ش يبدأ من تاريخ صدور الحكم، لأنه ليس في حاجة للإعلام به عن طريق عدل منفذ حتى يقع الطعن فيه، وهذا الافتراض القانوني بالعلم بالحكم ينسحب على كل المسائل بما فيها الأجل الوارد في الفصل 53 مكرر. فإذا كان المشرع أعطى للمحكوم ضده شهرا للطعن في الحكم دون إعلام، فالقياس قد يؤدي إلى اعتبار هذا الحكم ليس في حاجة للإعلام به حتى نعتبره معلوما، وإلا فإن المشرع يكون قد ناقض نفسه فلا يجوز أن يكون الحكم في نفس الوقت معلوما للطعن فيه، وفي نفس الوقت غير معلوم لتنفيذ ما ورد فيه من إلزام بأداء النفقة أو جراية الطلاق.
- الطريقة الثانية : اعتبار وإن ما جاء بالفصل 41 من قانون الحالة المدنية نص استثنائي وخاص، ولا يتحمل التأويل الواسع ولا يجوز القياس عليه، وهي كذلك إمكانية قانونية مؤسسة على إمكانية التأويل القانوني وحدوده، لأن الفصل 41 من قانون الحالة المدنية نص خاص بمادة الطعن بالاستئناف أو التعقيب في مادة الطلاق أو بطلان الزواج دون غيرهما.
نخلص في النهاية إلى القول، إنه كان على المشرع التونسي عند إلغاءه لأمر 1926 وسنّه للفصل 53 مكرر من م.أ.ش، أن ينص على التاريخ الواجب اعتماده لاحتساب بداية أجل الشهر هل هو تاريخ النطق بالحكم أم هو تاريخ العلم به أو الإعلام، لا أن يعتبر ذلك من الأمور البديهية حتى يتحقق الوضوح والدقة للفصل المذكور.
وأي كانت نقطة بداية احتساب أجل الشهر، فإن العدّ قد يتعرّض لأمر طارئ فيقطعه.
ثانيا : قطع احتساب الأجل
مبدئيا ينقطع عدّ مدة الشهر بالأداء، فإذا قام المدين بتسديد ما تخلّد بذمته، انقطع أجل الشهر، لكن ماذا لو امتنع عن الدفع بعد أن أدّى ما عليه مرة أولى وثانية أو تعوّد على الامتثال للحكم المدني القاضي به، ثم انقطع عن ذلك ؟ فكيف ستحتسب مدة الشهر ؟ وما هي نقطة انطلاق العدّ في هذه الحالة ؟
لم يجب المشرّع التونسي عن هذا السؤال، كما لا نجد إجابة في الفقه أو في فقه القضاء، إما لعدم طرحه أو لعدم نشر ما قيل حوله، في حين أجاب الفقه الفرنسي عن هذا التساؤل، مؤكدا بأن العدّ ينطلق من تاريخ آخر يوم قام فيه المدين بالدفع( ). والرأي عند بعضهم( ) أن الإجابة الفرنسية وأن كانت سليمة منطقا وقانونا، إلا أنها فاقدة لبعض الدقة ويعوزها بعض التفصيل، فقد يكون آخر يوم قام فيه المدين بالدفع، هو تاريخ بداية تعليق الدين أو سقوطه، فكيف يبدأ عدّ مدة الإمهال الممنوحة للمدين ليقوم بتسوية وضعيته في حين انتفت عنه صفة المدين ولم يعد شاغلا لهذا المركز القانوني، إما بصفة نهائية لسقوط الدين أو مؤقتا لتعليقه.
ولتقديم الإجابة القانونية، يرى هؤلاء إنه إذا ما وقع قطع المدة بالدفع، فإن بداية العدّ تنطلق من يوم صيرورة الدين ثابتا وحالا، ولا يكون التاريخ الذي قدمه الفقه الفرنسي سليما لانطلاق العدّ، إلا إذا بقي الدين ثابتا وبقي المدين شاغلا لمركزه القانوني وبقيت إمكانية جبره قضائيا قائمة، وهذا ما يستوجب ثبوت الدين وحلوله لنفي إمكانية سقوطه أو تعليقه. وبانتهاء أجل الشهر المنصوص عليه صلب الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، يمكن للدائن أن يرفع شكاية للجهة المختصة وتثار الدعوى العمومية ضد المدين.
ب- أثار انتهاء أجل الشهر :
لقد جعل المشرّع التونسي من انتهاء أجل الشهر من دون دفع الدين الصادر فيه حكم قاض بالنفقة أو بجراية طلاق قبل تنقيح 1993، نقطة بداية إثارة الدعوى العمومية ضد المدين، وسببا كافيا لإدانته بالرغم من أداءه لذلك الدين (أولا). ولكن، وبعدّ تنقيح الفصل 53 مكرر من م.أ.ش لم يعدّ لانتهاء أجل الشهر الأهمية التي كان يكتسيها صلب النص القديم (ثانيا).
أولا : قبل تنقيح 1993 :
ينص الفصل الأول من الأمر المؤرخ في 22 ماي 1926 كما وقع تنقيحه في 13 سبتمبر 1928 على أن : "كل من كان نظره للمحاكم التونسية وحكم عليه بالنفقة لزوجه وأخلافه أو أسلافه فقضى عمدا ثلاثة أشهر بدون دفع النفقة المذكورة، أعتبر مرتكبا لجنحة إهمال العيال وعوقب بالسجن مدة تتراوح بين الثلاثة أشهر والعام، أو بخطية يتراوح مقدارها بين المائة والألفين، إما عند العود فالحكم بالسجن حتما. ومن الممكن تطبيق أحكام الفصل 53 من القانون الجنائي التونسي".
وحافظ المشرّع التونسي حتى بعد إلغاء الأمر المذكور سنة 1981 وإيجاد الفصل 53 مكرر صلب م.أ.ش، على نفس الآثار المترتبة عن انتهاء أجل الشهر بدون دفع، فقد نصّ هذا الفصل على أن "كل من حكم عليه بالنفقة أو بالجراية المنصوص عليها بالفقرة الثالثة من الفصل 31 (جديد) والفقرتين الخامسة والسادسة من الفصل 32 (جديد) من هذه المجلة، فقضى عمدا شهرا بدون دفع ما حكم عليه بأدائه، يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين الثلاثة أشهر والعام وبخطية من مائة دينار إلى ألف دينار".
وقد تعامل فقه القضاء مع هذا النص وطبقه بصفة آلية( )، حيث أكدت محكمة التعقيب على أن "خلاص المتهم لمبلغ النفقة المتخلد بذمته بعد إحالته من أجل جريمة إهمال العيال لا يمحو الجريمة"( ).
وتسبب تطبيق النص القديم في العديد من المشاكل العملية، خاصة على مستوى الأداء، بحيث أن المدين وعندما يعلم أن خلاصه للدين بعد فوات أجل الشهر لا يمحو الجريمة، فإنه يعدل عن ذلك لأنه يعلم جيد العلم أن الأمر لن يتغيّر سواء قام بالدفع أم لم يدفع، لذلك حاول قضاة الأصل في العديد من المرات، التخلص من هذه الشدة التي تتصف بها أحكام الفصل 53 مكرر القديم، وقبلت المحاكم الأداء المتأخر إذا برّر المدين تأخره تبريرا مقنعا.
ولعلّ هذا ما جعل المشرع التونسي يتدخل سنة 1993 لتنقيح الفصل المذكور.
ثانيا : بعد تنقيح 1993 :
إن الغاية من تجريم الامتناع عن دفع النفقة أو جراية الطلاق، هي بالأساس حماية الدائن في معاشه، وبالتالي فإن خلاص دينه يحقّق مصلحته وتصبح العقوبة لا لزم لها( )، لأنها تزيد في تعكير العلاقات العائلية وتجعل المدين مصرا على عدم الدفع.
ومما لا شك فيه أن التنقيح الأخير للفصل 53 مكرر بموجب القانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرخ في 12 جويلية 1993، قد سعى إلى تبني الآراء الفقهية التي نادت بضرورة التخلي عن الصيغة القديمة للفصل المذكور وتبني سياسة أكثر ليونة، تتمثل بالأساس في إيقاف التبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة بمجرد قيام المدين بأداء الدين المتخلد بذمته. فكان الفصل 53 مكرر في صياغته الجديدة ناصا على أن "كل من حكم عليه بالنفقة أو جراية الطلاق، فقضى عمدا شهرا دون دفع ما حكم عليه بأدائه،يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وعام، وبخطية من مائة دينار إلى ألف دينار. والأداء يوقف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب...".
ولكن، قد يحصل أن يمضي شهرا عن صدور الحكم والإعلام به ولا يحرّك المدين ساكنا، فيكون بذلك عرضة للتتبّع من أجل جريمة عدم دفع نفقة وجراية الطلاق. لكن قد يحصل أيضا أن يدفع المتهم التهمة المنسوبة إليه، بأن يتمسك بعدم تعمده الامتناع عن الدفع، خاصة وأن الجريمة المنصوص عليها صلب الفصل 53 مكرر من م.أ.ش هي قصدية بدرجة أولى.
المبحث الثاني : تعمّد المدين عدم الأداء
لم يطل الركن القصدي أي تغيير منذ التجريم الأول لعدم الدفع سنة 1926، رغم تعدّد التنقيحات، فكانت الجريمة ولا زالت قصدية.
فركن العمد في جريمة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق، هو ركن غير مفترض ويجب بالتالي إثباته (الفقرة الأولى) لأنه قد ينعدم إذا توفرت بعض الأسباب المعفية للدفع (الفقرة الثاني).
الفقرة الأولى : إثبات عنصر العمد
لقد أكدت محكمة التعقيب منذ صدور النص الأول لجريمة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق، على أن هذه الجنحة هي من الجرائم القصدية والتي لا تقوم إلا بتوفر الركن القصدي وهو سوء النية والتعمّد في عدم الخلاص. ويتعين بالتالي على محاكم الأصل إبراز هذا الركن وإلا كان حكمها معرّضا للنقض.
ويطرح موضوع الإثبات مسألتين متلازمتين : أولهما عبء الإثبات (أ) وثانيهما كيفية الإثبات (ب).
أ- عبء الإثبات :
تتجاذب مسألة عبء الإثبات نظريتان، الأولى ترى أن سوء النية مفترض في المدين الذي امتنع عن الأداء (أولا) ، في حين ترى النظرية الثانية أن عنصر العمد غير مفترض، وتحمل بالتالي المدعي عبء إثباته (ثانيا)
أولا : النظـــريـة الأولى
تنطلق هذه النظرية من قرينة سوء النية المفترضة في المدين الذي وبالرغم من إعلامه بالحكم، لم يقم بالخلاص بعد مرور الأجل المحدّد صلب الفصل 53 مكرر من م.أ.ش
وانطلاقا من ذلك، فإن المدين يثبت في جانبه التلدّد بمجرّد انتهاء أجل الشهر بدون أداء ما حكم به عليه، ويصبح محلّ تتبّع جزائي طبقا لأحكام الفصل المذكور أعلاه.
وحتى يبرئ ساحته من التهمة المنسوبة إليه، يجب عليه إثبات حسن نيته وإن امتناعه عن الأداء لم يكن يقصد منه التنكيل بمستحق النفقة أو جراية الطلاق، وإنما لأسباب منعته من ذلك. وبذلك يصبح عبء الإثبات محمول على المدين المتهم بجريمة الفصل 53 مكرر.
وقد تبنى القانون الفرنسي في مرحلة أولى هذا الحل، حيث نص الفصل 357-2 من المجلة الجنائية الفرنسية على "أن عدم الدفع قرينة على القصد حتى يثبت خلاف ذلك"( ).
ولكن هذا الحل وإن كان يخدم مصلحة الدائن، فإنه بالمقابل يثقل كاهل المدين ويحمله عبء إثبات حسن نواياه وقد يفلح في ذلك أو يخفق، لذلك تدخل المشرع الفرنسي وحذف هذه الفقرة المذكورة، وصار ركن العمد ركنا غير مفترض، ومن الواجب إثباته، مثلما هو الشأن في التشريع التونسي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
ALHADDAD
المشرف العام
المشرف العام


عدد الرسائل: 518
العمر: 36
تاريخ التسجيل: 19/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: أركان جريمة عدم دفع مال النفقة   الجمعة فبراير 22, 2008 8:15 pm

ثانيا : النظـرية الثانية
تقوم هذه النظرية على مبدأين قانونين إثنين : أولهما يحكم المادة المدنية بمقولة أن "الأصل في كلّ إنسان الاستقامة وسلامة النية حتى يثبت خلاف ذلك"( )، وعليه، فالبينة على من ادعى أما ثانينهما، فإنه يحكم المادة الجزائية حيث "أن المتهم بريء إلى تثبت إدانته بصفة قانونية"( ).
ومن هذا المنطلق، فإن عبء الإثبات محمول على النيابة العمومية أو الدائن القائم على مسؤوليته الخاصة، باعتبارهما الطرف المدعي في القضية.
وبقراءة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، نلاحظ أن المشرع التونسي لم يجعل من القصد عنصرا مفترضا. لذلك فإن الرجوع إلى المبادئ المذكورة أعلاه ضرورة يحتمها المنطق القانوني. وقد أكدت محكمة التعقيب في العديد من قراراتها( ) على أن جريمة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، هي جريمة قصدية وأن عنصر العمد فيها غير مفترض، فقد أشارت في أحدها على أنه "يؤخذ من منطوق الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، أن جريمة إهمال عيال هي من الجرائم القصدية، ولذلك فإن تواجدها يبقى رهين ثبوت حالة العمد والإصرار على عدم الإنفاق تنكيلا بمستحق النفقة المحكوم بها، وإمعانا في الإضرار به وإلحاحا في ضغط الحاجة عليه، كل ذلك بعد أن يكون قد قام المحكوم له بإعلام المحكوم عليه. وإذا ما ظهر أن المستفيد من حكم النفقة لم يسع للقيام بواجب الإعلام بالحكم، فإن المحكوم عليه يكون في حلّ من الأداء. وطالما كان الأمر كذلك، يصبح ركن العمد منعدما بما يترتب عليه حتما فقدان جريمة الإهمال لأهم مقوماتها"( ).
وخلاصة القول، أن ركن العمد في جريمة الفصل 53 مكرر أمر غير مفترض، وإنما يجب إثباته، والسؤال الذي يطرح في هذا المجال، هو كيف يمكن إثباته؟.
ب- كيفية الإثبات :
لئن كانت المادة الجزائية تتفق مع المادة المدنية في تحميل المدعي عبء الإثبات، فإنها تختلف معها في خصوص الوسائل المعتمدة في ذلك، فلئن حصر المشرع التونسي وسائل الإثبات في المادة المدنية صلب الفصل 427 من م.إ.ع في خمسة وسائل، فإن الأمر على خلاف ذلك في المادة الجزائية، حيث أن المبدأ هو حرية الإثبات بكل الوسائل، ويبقى للقاضي دوره في تقدير هذه الوسائل وله بالتالي أن يستند لكل حجة لم يحجرها القانون.
وإثبات العمد باعتباره واقعة قانونية، يتم بكل الوسائل دون حصر، كأن يثبت الدائن أو النيابة العمومية بأن المدين على علم بوجود الحكم المدني القاضي بالنفقة أو بجراية الطلاق (أولا)، ولكنه امتنع عن الخلاص بالرغم من مقدرته على الدفع (ثانيا).
أولا : إثبات العلم بوجود الحكم
إن المبدأ في إثبات العلم، حصول الإعلام القانوني، فلا يكفي حصول العلم للملزم بالأداء بحضوره جلسة التصريح، وإنما يشترط في الأحكام المدنية أن يقع إعلامه بواسطة أحد عدول التنفيذ. وقد نظّمت مجلة المرافعات المدنية والتجارية كيفية تبليغ الإعلام، فنص الفصل 8 على أن النظير يسلّم إلى الشخص نفسه أو مقره الأصلي أو في مقره المختار حسب الأحوال، فإن لم يجد العدل المنفذ المطلوب إعلامه في مقرّه، وجب عليه أن يسلّم نظير محضر الإعلام لوكيله، أو لمن يكون في خدمته، أو ساكنا معه بشرط أن يكون مميزا ومعرّفا بهويته، وإذا امتنع من وجد من تسلّم النظير، يقع تسليمه إلى عمدة المكان… أما الفصل العاشر من نفس المجلة، فإنه ينص على صورة مبارحة المقصود بالإعلام مقره وصيرورته مجهول المقرّ، وفي هذه الصورة يسلم النظير للعمد، أو لرئيس مركز الأمن، على أنه إذا بقي مجهول المقرّ مطلقا، فإنه يقع تعليق النظير بالمحكمة وآخر بمركز الولاية. أما الفصل التاسع فإنه تضمن كيفية إعلام المطلوب المعلوم المقرّ بالخارج. وفي كل الحالات، يتولى عدل التنفيذ تدوين محضر ويسلّم نظيرا منه لطالب التنفيذ. وهي النسخة التي تعتمد مبدئيا لبداية احتساب أجل الشهر المنصوص عليه بالفصل 53 مكرر من م.أ.ش.
ونظرا لخطورة الموقف، خاصة وأن المسألة تتعلّق بإثبات عنصر العمد الذي تقوم بقيامه جريمة الفصل 53 مكرر، برز إشكال يتمثل في التساؤل عن المقصود من الإعلام. فهل هو الإعلام القانوني كما سلف بيانه أعلاه ؟ أم أنه الإعلام الفعلي ؟ بمعنى هل يكفي محضر الإعلام القانوني المحرّر من طرف العدل المنفذ ليثبت العلم الفعلي للمدين المحكوم عليه بالأداء ؟
سكت المشرع عن الإجابة عن هذا التساؤل، واكتفت محكمة التعقيب التونسية إلى الإشارة إلى الإعلام دون تدقيق إن كان إعلام قانوني أم فعلي، في حين كانت إجابة محكمة التعقيب الفرنسية واضحة إذ أنها تكتفي بالإعلام القانوني( )، رغم احتراز بعض محاكم الأصل التي لا ترغب في مجاراة هذا الرأي وتشترط في أحكامها ضرورة العلم الفعلي( ).
وإجابة عن هذا التساؤل المطروح أعلاه، يرى بعضهم( ) أن أفضل طريقة لإعلام المدين بالحكم هو أن يتم إعلامه بالحكم مباشرة، حتى يمكن فيما بعد للمحكمة الزجرية عند الاقتضاء استنتاج النية الإجرامية في جانبه، وهو الركن المعنوي لجنحة عدم دفع النفقة والجراية الذي لا يمكن أن يتوفر إذا بلغ الإعلام للمحكوم عليه بالنفقة بواسطة أو طبق الطرق القانونية المبينة بالفصول 8، 9، 10 من م.م.م.ت.
وحسب رأيي، إن اعتماد الإعلام الفعلي من شأنه أن يسيء للدائن، إذ سيتكفل مشقة البحث عن مقرّ المدين، ليعلمه فيه وربما يتطلب ذلك من الوقت والمصاريف ما لا يتماشى وطبيعة الديون المعاشية وصبغتها المتأكدة. هذا بالإضافة إلى أنه إذا اعتمدنا الإعلام الفعلي، فإن المدين سوف يجد في هذا الحل مخرجا للتفصي من الجرم الذي اقترفه، بتعلة عدم علمه الفعلي بمجرد تغيير مقره، لذلك فالحل الأنجع، هو اعتماد الإعلام القانوني خاصة وأن هذه الطريقة هي المعمول بها في المادة المدنية، وتمكن بالتالي من حماية الدين الذي أراد المشرع أن يحيطه برعايته ولا تثقل كاهل الدائن وتحمله مشقة البحث عن المدين لإعلامه مباشرة بمنطوق الحكم. هذا بالإضافة إلى أنه في صورة عدم علم المدين بالحكم بصفة فعلية بالرغم من قيام الدائن بالإعلام بالصفة القانونية، فإنه حتى وأن افتتح التتبّع ضده، فإنه يمكن أن يقوم بعملية الخلاص وبهذه الطريقة فإن الدعوى العمومية سوف تنقرض.
لكن وللتذكير فإن إثبات العلم غير كاف لإثبات العمد، بل لا بد من إثبات قدرة المدين على الدفع وتلدّده رغم ذلك.
ثانيا : إثبات القدرة على تنفيذ الحكم
يجب على الدائن إضافة لإثباته بأنه قام بإعلام مدينه بالحكم، أن يثبت أن هذا الأخير بإمكانه تنفيذ الحكم ولكنه امتنع عن ذلك. والسؤال المطروح هنا، هو كيف تتوصل النيابة العمومية أو الدائن القائم على مسؤوليته الخاصة، إلى إثبات مقدرة المدين على الدفع وتلدده؟
لقد تنوّعت أعمال النيابة العمومية في تونس في خصوص هذه المسألة، فتارة تقوم بمطالبة الدائن بتقديم كل المعلومات المتعلقة بمداخيل المدين، حتى تتمكّن من التثبت من مدى قدرته على تنفيذ الحكم الصادر ضده بالأداء. وتورا تستدعي المدين وتحرّر عليه أمام الدائن وتطالبه بدفع التهمة المنسوبة إليه، وإثبات حسن نيته. لكن سير العمل هذا، قد يوقع النيابة العمومية في حرج. إذ أنها ستقلب عبء الإثبات وتحمل المدين الذي افترض فيه القانون حسن النية أن يثبت حسن نيته.
ومهما اختلفت طرق عمل النيابة وتنوّعت، فإن النظر في مدى قدرة المدين على الأداء، تبقى مسألة يعود تقديرها إلى المحكمة التي تستخلص من أوراق القضية توفّر عنصر العمد من عدمه. ولكن الملاحظ في هذا الصدد، أن عمل المحاكم في تونس جرى على تحميل المدين واجب إثبات حسن نيته، إذا أراد دفع التهمة عنه. وكأننا بالمحاكم تقلب عبء الإثبات وتحمل المدين هذا العبء.
واستحسن بعضهم( )، هذا التمشي من طرف محاكمنا لما يوفّره على الدائن والمحكمة من ربح للوقت الذي كان من المفروض أن يضيعه الدائن للإثبات، ودعا إلى ضرورة تنقيح الفصل 53 مكرر من م.أ.ش وإيجاد قرينة العمد المفترض لتجنيب المحاكم حرج تكريس مسألة غير قانونية.
ولكن في المقابل لا يجب أن نغفل عن المبدأ القائل بأن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته، خاصة وأن المدين بالنفقة أو بجراية الطلاق، يمكن أن يدفع عنه التهمة إذا تمسّك بأحد صور انتفاء عنصر العمد.
الفقرة الثانية : انتفاء عنصر العمد :
تعدّ جريمة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق جريمة قصدية، إذا اختل ركن العمد منها انتفت.
وينتفي الركن القصدي إما لسبب مرتبط بشخص المدين (أ) أو لسبب يتعلق بالدين في حدّ ذاته (ب).
أ- انتفاء عنصر العمد لسبب مرتبط بشخص المدين
قد يتمسك المدين محاولة منه لدفع التهمة الموجهة ضده، بأن امتناعه عن الأداء كان نتيجة أمر خارج عن إرادته (أولا)، أو أن بعض الظروف قد ألمّت بذمته المالية جعلته يعجز عن الخلاص (ثانيا).
أولا : الامتناع عن الدفع لسبب خارج عن إرادة المدين
قد يفاجئ المدين بقيام تتبّع جزائي ضده من أجل جريمة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، إلا أنه في أغلب الحالات يبرّر موقفه إما على أساس عدم علمه بصدور الحكم القاضي بالنفقة أو بجراية الطلاق (1)، أو لأن امتناعه عن الأداء كان بسبب حالة إكراه (2).
1- الدفع بعدم العلم بحكم النفقة أو بجراية الطلاق :
يتم إعلام المحكوم ضده عادة بأحد الطرق التالية : إما بصفة شخصية أو بواسطة أو بصفة قانونية.
فإذا بلغ الإعلام بحكم النفقة أو بالجراية للشخص المحكوم عليه مباشرة، فإنه يبدو أن لا إشكال بالمرة، أما إذا كان التبليغ بغير تلك الصورة، فإن المدين يمكنه أن يتعلّل بعدم العلم بصدور الحكم، ويدفع عنه التهمة الموجهة ضده، "ويفقد بذلك محضر عون التنفيذ كل جدواه في إثبات العنصر المعنوي للجريمة، إذ قد لا تتولى الواسطة التي تسلمت محضر الإعلام تقديمه للمعني بالأمر قبل فوات الأجل القانوني الذي تقوم به جنحة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق. كما قد لا يكون تبليغ الإعلام أجدى عن طريق البريد…"( ).
ويطرح هذا الإشكال بالخصوص، إذا كان المدين موجود بالخارج ووقع إعلامه بالحكم طبق أحكام الفصل 9 أو الفصل 10 من م.م.م.ت، فهل يتم استخلاص سوء نيته بمجرّد انقضاء الأجل المحدّد ؟
الملاحظ أن قضاة الأصل وبالرغم من حرص محكمة التعقيب على ضرورة التأكد من توفر العنصر القصدي للجريمة، فإنهم يقتصرون على التنصيص صلب الحكم على بلوغ الإعلام بحكم النفقة طبق القانون، ويصدرون أحكاما بالسجن مع النفاذ رغم عدم ثبوت حصول العلم للمحكوم عليه بحكم النفقة أو بجراية الطلاق.
وحسب رأيي، فإن مسألة العلم والإعلام تثير بعض المشاكل التطبيقية في جريمة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، فهذه الجريمة هي جريمة قصدية بدرجة أولى، والإعلام بالطرق القانونية باستثناء حالة الإعلام المباشر والشخصية للمدين المحكوم عليه بالأداء، لا يمكن أن تكون قرينة للعلم بالحكم. فالفرق شاسع بين الإعلام والعلم فقد يعلم المحكوم ضده بالحكم من دون أن يقع إعلامه، والعكس يصح أيضا.
ولكن محاكم الأصل تخشى أن تفتح الباب أمام المتلدّدين، إذا اشترطت علم المدين بالحكم بالإضافة إلى إعلامه، حيث يعمد هؤلاء إلى التمسك بعدم علمهم بصدور الحكم للتخلص من التهمة المنسوبة إليهم.
لذلك وردعا لكل تجاوز، وحماية لدين النفقة وجراية الطلاق، فإنه مبدئيا لا يمكن التعلّل بعدم العلم إذا ما تم الإعلام بصفة قانونية. ولكن هذا لا يعني أن تكتفي المحكمة بذلك، بل يجب أن تسعى إلى إثبات العنصر القصدي وتعلّله بناءا على ما توفّر لديها من معطيات واقعية، خاصة وأنه قد يحدث وأن يتم التبليغ بصفة قانونية لكن المدين لا يمكنه الاستجابة للحكم نظرا لحالة الإكراه التي هو عليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
ALHADDAD
المشرف العام
المشرف العام


عدد الرسائل: 518
العمر: 36
تاريخ التسجيل: 19/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: أركان جريمة عدم دفع مال النفقة   الجمعة فبراير 22, 2008 8:16 pm

2- الدفع بوجود حالة إكراه :
تلعب الإرادة دورا هاما في قيام جريمة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، حيث يعتبر شلّها واتجاهها غير الحرّ لارتكاب الركن المادي للجريمة، أمرا ينفي عن المدين المسؤولية الجزائية مما يصيره في حل من كل تتبّع.
وصور ذلك عديدة، نذكر أهمها حالة وجود المدين بالسجن يقضي عقوبة ما، وصدر أثناء إقامته بالسجن حكم قاضي بالأداء ومضى شهر عن إعلامه بالحكم. ففي هذه الحالة يمكن للمدين أن يدفع عنه التهمة بإثبات حالة الإكراه التي كان عليها إبّان صدور الحكم القاضي بالنفقة وبجراية الطلاق.
وخلاصة القول، أن الطابع القصدي لجريمة الفصل 53 مكرر من م.أ.ش، يفتح الباب أمام المدينين للتعلّل بشتى الأسباب التي من شأنها أن تدفع عنهم التهمة، ولعلّ أهمها على الإطلاق تلك المتعلّقة بالوضعية المالية للمدين.
ثانيا : الامتناع عن الدفع بسبب الوضعية المالية للمدين
اعتبرت محكمة التعقيب الدفع بالعسر عن الإنفاق، من الدفوع الجوهرية التي لها تأثير على وجه الفصل في قضايا عدم دفع النفقة وجراية الطلاق (1).
فلا يكون مرتكبا لجريمة الفصل 53 مكرر من عجز فعلا عن أداء معلوم النفقة أو جراية الطلاق.
ولكن قد يعمد المدين للجوء إلى بعض الوسائل التي من شأنها أن تؤثر سلبا على ذمته المالية، ويصبح بذلك عاجزا عن التصرّف فيها (2).
1- عسر المدين :
عسر المدين ينفي عنه المسؤولية الجزائية لعدم توفر ركن القصد الذي يعتبر ركنا أساسيا لصحة التتبّع في جنحة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق.
ويقع على عاتق المدين إثبات حالة العسر في صورة التمسّك به (1-1)، أما تقديره فهو أمر موكول لاجتهاد قضاة الأصل بشرط التعليل (1-2).
1-1- إثبات حالة العسر :
لم يعرّف المشرع التونسي العسر صلب مجلة الأحوال الشخصية ولم يكن ذلك عن سهو منه وإنما عن تبصّر وحكمة، بحيث يصعب أن نجد تعريفا موحدا للعسر لأنه مفهوم متغيّر ومتجدّد من زمن لآخر ومن مكان لآخر، لذلك ترك المشرّع للقضاء مهمة تعريف هذا المصطلح.
والعسر باعتباره واقعة قانونية، يتم إثباته بشتى الوسائل والسؤال المطروح هنا، هو كيف يتوصل المدين إلى إقناع المحكمة بحالة العسر التي هو عليها والتي كانت السبب المباشر في عدم الخلاص ؟
قد يلجأ المدين إلى العمدة الراجع إليه بالنظر، ويطلب منه تمكينه من شهادة فقر تثبت حالة عسره، وتفيده لدفع التهمة الموجهة ضده، وهي طريقة في الواقع كثيرا ما يلتجأ إليها خاصة وأن العمدة في أغلب الأحيان يكون عالما بظروف طالب الشهادة. نظرا لطبيعة عمله التي تجعله في اتصال مباشر ومطلعا على الظروف المادية لمتساكني المنطقة الترابية التي تعود إليه بالنظر.
وقد اعتمدت محكمة التعقيب في أحد قراراتها( ) هذه الوسيلة في إثبات العسر، حيث اعتبرت أن "… الاعتذار بعسر الزوج يكون عذرا يبرئ المتهم من العقوبة، وإذا اعتذر المتهم بذلك وأدلى بشهادة تفيد عسره، وجب على المحكمة اعتبار هذه الشهادة ما لم يقع ردّها بأمور يشملها الملف".
ولكن الملفت للنظر أن المدين بالنفقة أو بجراية الطلاق، كثيرا ما يلتجئ إلى العمدة لاستخراج هذه الوثيقة الإدارية لدفع التهمة عنه بالرغم من قدرته على الخلاص. خاصة وأن مؤسسة العمودية لم تعد قادرة على مواكبة تطورات المجتمع وعلى معرفة كل الناس القاطنين في الدائرة الترابية وحالتهم المادية، نتيجة تضخم عدد السكان من جهة ولسرعة تنقلاتهم من جهة أخرى( )، هذا بالإضافة إلى أن هذه الشهادة قد تسلّم من باب المجاملة. وهنا يأتي الدور الهام الذي تلعبه المحكمة عند تقديرها لما من شأنه أن يفيد عسر المدين.
1-2- تقدير المحكمة للعسر :
يعتبر القضاء الجزائي قضاء وجدان، فالقاضي وبالرغم من حرية الإثبات في المادة الجزائية، فإن له سلطة تقديرية واسعة في الأخذ بما قدّم من وسائل للإثبات من عدمه.
وقد كان لفقه القضاء دورا هاما في ضبط مفهوم عسر المدين، إذ أنه يفرّق بين حالة العوز الوقتي وحالة العسر. فالبطالة تعتبر عارضا وقتيا حتى لو كان السبب فيها الحالة الصحية للمدين( ). فقد اعتبرت محكمة التعقيب أن انقطاع المدين عن العمل لأسباب صحية، لا يعني أنه أصبح فقير الحال ولا يمكنه الإنفاق على ابنه، إذ أن انقطاعه عن العمل سوف يكون بصفة وقتية حتى تتحسّن حالته. كما أنه يكفي أن يتوفر للمدين مال لكي يجبر على الإنفاق، حتى لو ثبت عدم استغلاله لمكاسبه وقت النزاع لأن عدم استغلالها لا يمثل إلا عارضا وقتيا.
ونستنج مما سلف بسطه أن عنصر العمد يبقى قائما، إلا إذا أثبت المدين للمحكمة حالة العسر وأن هذه الحالة لم يتسبب فيها بإرادته. ويبقى للمحكمة أن تتأكد من هذا الدفع وأسبابه قبل أن تفصل في النزاع المعروض عليها.
2- تدهور الذمة المالية للمدين :
قد تطرأ على الذمة المالية للمدين بعض الظروف التي من شأنها أن تؤثر سلبا، وتجعله قاصرا وعاجزا عن التصرّف فيها، والأمثلة على ذلك عديدة فيمكن أن يفلس المدين ويصير غير قادر على الوفاء بالتزاماته المالية، أو أن تكون مؤسسته تمرّ بصعوبات اقتصادية وتتمتع بالتالي بأحكام قانون الإنقاذ. ففي هاتان الحالتان يمكن أن يدفع المدين أمام القضاء الجزائي بمناسبة مثوله من أجل ارتكابه جنحة عدم دفع النفقة أو جراية الطلاق، بأن وضعية ذمته المالية هي التي كانت عائقا أمام الوفاء بكل التزاماته المالية.
ولكن لا يفوتنا وأن المدين يمكن أن يتسبب ومن تلقاء نفسه في تدهور ذمته المالية تنكيلا بدائنيه، وفي هذه الحالة لا يمكنه أن يتمسك بانتفاء عنصر العمد لأن إفلاسه أو عسره كان بسببه وليس لأمر طارئ أو قوة قاهرة.
وقد يعمد المدين في بعض الحالات إلى إفراغ ذمته المالية، كان يحيل جميع ممتلكاته لأحد أبنائه مثلا أو والديه، حتى يتفصى من التتبّع. ولكن في الواقع جميع هذه الأعمال لا تبرّئ ساحة المدين وإنما تعكس سوء نيته وتعمّده التهرّب من الأداء، ومحاكمنا بالمرصاد لمثل هذه التجاوزات.
إن الحماية الجزائية لدين النفقة أو جراية الطلاق، هي حماية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدين، فبزوال موجبه تزول هذه الحماية وتضمحلّ وصور ذلك عديدة وتعدّ من بين أهم الدفوع التي يتمسك بها المدين عند إثارة التتبع ضدّه.
ب- انتفاء عنصر العمد بسبب زوال موجب الدّين
تعتبر النفقة وجراية الطلاق، من الديون المؤقتة التي يتوقف استحقاقها على توفر جملة من الشروط. وقد تطرأ بعض العوامل التي من شأنها أن تؤثر على الدين وتجعله يزول.
ويزول الدين بزوال موجبه القانوني (أولا) أو الواقعي (ثانيا).
أولا : زوال الموجب القانوني للدين :
يجب أن نفرّق في هذا الإطار بين زوال موجب الإنفاق من ناحية (1)، والتوقف عن صرف جراية الطلاق من ناحية أخرى (2).
1- زوال الموجب القانوني للنفقة
مثلما اعتنى المشرّع التونسي بتنظيم شروط استحقاق النفقة، تعرّض في العديد من النصوص صلب م.أ.ش أو خارجها إلى الحالات التي تسقط فيها النفقة، سواء كانت بموجب الزوجية (1-1) أو القرابة (1-2) أو الالتزام (1-3).
1-1- زوال نفقة الزوجة :
تستحق الزوجة نفقتها من زوجها منذ دخوله بها إلى نهاية عدّتها عند مفارقته إياه. وقد تحدث الفرقة بوجهين :
فالوجه الأول يتمثل في بطلان الزواج، سواء على معنى الفصل 22 من م.أ.ش أو على معنى الفصل 36 من القانون عدد 3 لسنة 1957 المنظم للحالة المدنية.
أما الوجه الثاني لزوال الزوجية، فقد جاء بالفصل 29 من م.أ.ش ويتمثل في الطلاق، ففي هذه الحالة تستحق الزوجة النفقة إلى غاية انتهاء عدّتها.
1-2- زوال نفقة الأقارب :
يتمتع الأصول بحق النفقة إلى حين تغير وضعية الدائن والمدين، فإذا صار المدين معسرا والدائن (الأصول) موسرا، فإن موجب الإنفاق يسقط قانونا.
أما بالنسبة للفروع، فالمسألة تختلف بحسب جنس المنفق عليه، فإذا كان ذكرا فإن حقّه في النفقة يسقط مبدئيا ببلوغه سن الرشد، إلا إذا كان يزاول تعليمه فإن نفقته تمتد إلى سن الخامسة والعشرين.
أما بالنسبة للبنت فإن نفقتها تسقط بزواجها أو إذا توفّر لها كسب، كأن تكون مثلا تشتغل ولها مدخول قار يمكنها من خلاله الإنفاق على نفسها.
أما بالنسبة للأبناء المعوقين، فإن استحقاقهم للنفقة يسقط إذا أثبت المدين قدرتهم على الكسب.
1-3- زوال نفقة الملتزم لهم :
لقد سبق وأن بيّنا حالات انقضاء الالتزام صلب الفصل الأول من بحثنا، بحيث يمكن للمدين أن يدفع عنه التهمة بإثبات أحد هذه الحالات.
2- توقف صرف الجراية
ينص الفصل 31 (جديد) من م.أ.ش على أن جراية الطلاق "... تستمر إلى أن تتوفى المفارقة (2-1) أو يتغير وضعها الاجتماعي بزواج جديد، أو بحصولها على ما تكون معه في غنى عن الجراية (2-2).

2-1- وفاة المفارقة :
إن جراية الطلاق هو دين شخصي، ويترتب عن هذه الخاصية ثلاثة آثار : أولهما أن حق المطالبة بالجراية أو تعديلها أو إسقاطها هو حق شخصي، لا يمكن لغير الدائن الأصلي أن يتمسّك بها، وثانيها أن الجراية حق لا يقبل الإحالة لأن التحويل باطل إذا كان موضوعه حقوقا شخصية. أما الأثر الثالث والأهم، هو أن الجراية حق لا يورث، فبموت الدائن يصبح في حلّ من واجب صرفها ولا يمكن لورثة الدائن مواصلة مطالبة مدين مورثهم، لأن الدين شخصي وينقضي بانقضاء شخص الدائن.
2-2- تغيّر الوضع الاجتماعي للمفارقة :
لئن كان حدث وفاة المفارقة لا يثير إشكالا، فإن الأحداث الأخرى كزاوج المفارقة ثانية أو حصولها على ما تكون معه في غنى عن الجراية يطرح بعض المشاكل على الصعيد العملي.
فعبارة "بزواج جديد" تثير إشكالا لا بدّ من التوقف عنده، فهل المقصود من الزواج في هذه الصورة إبرام العقد ؟ أم لا بد من البناء بالمفارقة من زوجها الثاني لكي تتوقف الجراية ؟
يرى بعضهم( ) أن الزواج يجب أن يؤخذ بمفهوم البناء والدخول، لأن هذا التفسير يتماشى ومقصد المشرع الذي أراد ضمان مورد عيش للمفارقة إلى أن يصبح لها منفق يوفر لها مرافق المعيشة. وكما هو معلوم، فإن النفقة لا تجب للزوجة على زوجها إلا بعد الدخول طبق الفصل 38 من م.أ.ش إذ بداية من الدخول والبناء تدخل الزوجة في وضعية تتوفر لها فيها النفقة، ويتحقق لها بالتالي مورد مادي يغنيها عن الجراية. فمقصد المشرع إذن من العبارة هو الزواج المدخول به.
أما حصول المفارقة على ما تكون معه في غنى عن الجراية باعتباره سببا مسقطا للجراية، فإن هذه العبارة ونظرا لورودها مطلقة فإنه يصعب فهمها وتحديد معناها بصفة موضوعية لأنها تختلف حسب الزمان والمكان، فلا بدّ إذن للمحكمة أن تنظر حسب مطلق اجتهادها لتحديد هذه الوضعية وضبط مفهومها.
ولعلّ من أهم الأسئلة التي طرحت أمام محكمة التعقيب التونسية، هو هل أن المرأة المطلقة تستحق جراية الطلاق إذا كانت تعمل ؟
لقد جاءت إجابة محكمة التعقيب عن هذا التساؤل متضاربة، حيث اعتبرت في أحد قراراتها أن "المفارقة لا تستحق التعويض عن الضرر المادي في صورة حصولها على ما تكون في غنى عنه، كأن تكون موظفة ولها راتب"( ). وصدرت في هذا الإطار عديد القرارات التي تعتبر عمل المرأة المطلقة سببا يحول دون تمتعها بجراية طلاق( ).
لكن وفي قرار آخر، تتخذ محكمة التعقيب موقفا متناقضا بصورة مطلقة لما سبق لها أن اتخذته حول نفس الموضوع. فقد اعتبرت "إن استحقاق المرأة المطلقة بإنشاء من الزوج طلب التعويض المادي في قالب جراية أو رأسمال، هو أمر ثابت ومستقر لا يمكن إسقاطه لغنى المطلقة، أو توفّر مورد رزق لها ولأي سبب آخر. وأن كانت حالة المرأة المادية يمكن مراعاتها عند إرادة تقدير التعويض المادي لها دون إمكانية اعتباره مسقطا لحقها. ذلك إلا في صورة طلب مراجعة جراية سبق تقديرها لأسباب لاحقة عن ذلك"( ).
والملفت للنظر أن محكمة التعقيب تؤكد صلب هذا القرار الأخير على أن استحقاق المفارقة بطلاق في طلب التعويض المادي هو أمر ثابت ومستقر، وهو في الواقع تأكيد يبعث على الاستغراب خاصة وإنها أكدت عكس ذلك في قرارات مضت. فجراية الطلاق شرّعت لضمان العيش للمفارقة على قدر ما اعتادته من العيش في ظل الحياة الزوجية. فإذا صارت في غنى عن هذه الجراية فلا داعي للإبقاء على هذا الدين.
وحسب رأيي أن عمل المرأة المطلقة، لا يجب اعتباره سببا تزول بمقتضاه جراية الطلاق بصفة آلية. فالعمل حق مكتسب هذا بالإضافة إلى أن الأعمال تختلف من حيث الزمن والمردودية. فالبون شاسع بين العمل القار والعمل الوقتي، وبين الأجر الزهيد والمداخيل الوفيرة. لذلك فإن النظر في مسألة مدى استحقاق المطلقة لجراية طلاق حال أنها تشتغل هي مسألة واقعية، يتوقف الحسم فيها بناء على اجتهاد المحكمة في كل حالة على حدة، وحسب الظروف والملابسات الخاصة بكل دعوى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
ALHADDAD
المشرف العام
المشرف العام


عدد الرسائل: 518
العمر: 36
تاريخ التسجيل: 19/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: أركان جريمة عدم دفع مال النفقة   الجمعة فبراير 22, 2008 8:17 pm

ثانيا : زوال الموجب الواقعي للدين
قد يدفع المدين بالنفقة بالخصوص وأثناء مثوله أمام قاضي الناحية، بكونه لم يتعمّد الامتناع عن الخلاص، ويتمسك في المقابل ببعض الدفوع الواقعية التي من الممكن أن تزيح عنه التهمة المنسوبة إليه.
فقد يدّعي أن زوجته المحكوم لفائدتها بالنفقة ناشزا (1)، أو أنها عادت إلى عش الزوجية واستأنفت معاشرتها له بعد أن صدر حكم لفائدتها قاضي بإلزامه بالإنفاق عليها(2)، أو أن يتمسك بسقوط حق الأبناء في النفقة بموجب كتب تنازل صادر عن الأم الحاضنة (3).
1- نشوز الزوجة :
لم يتعرّض المشرع التونسي صراحة إلى مسألة النشور باعتباره سببا موجبا لسقوط نفقة الزوجة، خلافا لبعض التشاريع العربية( ). لكن محكمة التعقيب سرعان ما تداركت هذا الصمت التشريعي، واعتبرت أن "نفقة الزوجة واجبة على زوجها ولو كانت تشتغل إذ أن متعلقها يبقى قائما، ما دامت الزوجة غير ناشز ولا شيء يثبت إخلالها بواجب الزوجية"( ) والقرارات الصادرة في هذا الشأن لا تعدّ ولا تحصى( ).
وارتبط مفهوم النشوز في فقه القضاء بواجب مساكنة الزوجة لزوجها. واعتبر بذلك الزوجة ناشزا كلما غادرت محلّ الزوجية بدون إذن زوجها وبدون سبب شرعي. وعلى هذا الأساس فنشوزها يعدّ سببا مسقطا لحقها في النفقة... ( )
لكن السؤال الذي يطرح في هذا الإطار، هو هل يمكن أن يدفع الزوج بنشوز زوجته في إطار دعوى الفصل 53 مكرر من م.أ.ش ؟ بمعنى هل أن نشوز الزوجة يعدّ من الدفوع التي بتوفرها تنقرض الدعوى وتزول ؟
اعتبرت محكمة التعقيب في أحد قراراتها أن "… جريمة إهمال عيال قائمة على المتهم متى حكم عليه بالنفقة لفائدة زوجته وقضى عمدا ثلاثة أشهر لم يدفع فيها النفقة المذكورة. ولا تأثير لإدعائه نشوز زوجته وإن ثبت صدقه على أركان الجريمة"( ).
لذلك فإن صدور الحكم القاضي بالنفقة الصادر عن قاضي الناحية لفائدة الزوجة يجعل الزوج محل تتبّع قضائي إذا توفّرت الشروط القانونية للفصل 53 مكرر من م.أ.ش ولا يمكنه أن يتمسك أمام القضاء الجزائي بأن امتناعه عن الدفع كان بسبب نشوز زوجته. بحيث أن الدفع بالنشوز كان بإمكانه إثارته بمناسبة قيام الزوجة بدعوى النفقة. ولكن يطرح إشكال في هذا الإطار، وهو مدى اختصاص حاكم الناحية بالنظر في مسألة النشوز، إذا دفع بها الزوج بمناسبة القيام ضده من طرف زوجته لمطالبته بالإنفاق عليها ؟ والصورة على غاية من الأهمية، خاصة وإن مسألة اختصاص حاكم الناحية بالنظر في الدفع بالنشوز أثارت العديد من النقاشات الفقهية. فقد رأى بعضهم( )، أن موضوع النشوز المسقط لحق الزوجة في النفقة ليس من اختصاص كل من القاضي الصلحي وقاضي الناحية، "فالحسم في مسألة النشوز مسألة موضوعية يكون القاضي الصحلي متجاوزا اختصاصه حين يبت فيها… والقضاء بعدم سماع دعوى النفقة المقام بها لدى قاضي الناحية … اعتبارا لنشوز الزوجة المتمثل في عدم استجابتها لدعوة زوجها لمحل الزوجية غير سليم … فالنشوز مسألة موضوعية، والدعوى التي ترفع بشأنه دعوى غير مقيمة ولا ممكنة التقييم وبخاصياتها هذه، فهي خارجة عن اختصاص قاضي الناحية فلا يستقيم إذا استناده لما اعتبره نشوزا من الزوجة وتأسيسه منع النفقة عنها لهذا السبب …"( ).
ولكن إذا أثير هذا الدفع من طرف الزوج أمام قاضي الناحية، فإن هذا الأخير سيجد نفسه مجبرا على اتخاذ أحد الموقفين :
- إما أن يتجاوز الدفع بالنشوز، ويعتبر أن مساكنة الزوجة لزوجها أمر مفترض ما لم يصدر حكم بنفيه. ويصدر بذلك قراره بإلزام الزوج بالإنفاق على زوجته، ويهمل بذلك الضمانات الممنوحة للمطلوب الذي قد يلزم بدفع نفقه لزوجة نشزت عنه وامتنعت من مساكنته ظلما.
- أو أن يحجم حاكم الناحية عن البت في النفقة، وينتظر بالتالي تقديم حكم من المحكمة المختصة في ثبوت النشوز، ويتسبب بذلك في ضياع حق الزوجة التي لا يثبت نشوزها فيما بعد.
ونظرا لما لموضوع النشوز من أهمية، خاصة فيما يتعلق بتحديد الجهة المختصة حكميا بالنظر، فقد حاولت محكمة التعقيب الإجابة عن هذا الإشكال في قرار لها فصلت فيه اختصاص حاكم الناحية عن المحكمة الابتدائية في النشوز، بقولها "يقتصر نظر قاضي الناحية أساسا على موضوع النفقة مسايرة لأحكام الفصل 39 من م.م.م.ت ويعتبر نظره في موضوع النشوز عرضيا واستثنائيا عن طريق الدفع المعارض لدعوى النفقة. فإذا تعهدت محكمة الطلاق المختصة بالبت في النشوز، فإن قاضي النفقة وكذلك المحكمة الابتدائية المتعهدة بالنظر استثنائيا في قضية النفقة لم يعد لها أي تعهد أو اختصاص بالنظر في موضوع النشوز إطلاقا"( ).
ويتحصحص مما سلف قوله أن الدفع بالنشوز أمام القضاء الجزائي دفع غير مجدي، خاصة وأنه لم يعد هناك مجال لمناقشة مدى استحقاق الزوجة للنفقة لأنها مسألة من أنظار القاضي المدني، وبالتالي ما عليه إلا أن يقوم بالأداء ثم يسعى فيما بعد إذ أثبت نشوز زوجته إلى القيام بدعوى الرجوع في النفقة
2- استئناف الحياة الزوجية :
قد يصدر حكم بالنفقة لفائدة الزوجة وقد تشرع في تنفيذه، ثم تعود المياه إلى مجاريها بين الزوجين ويستأنف الزوج إنفاقه مباشرة على الزوجة. فما مدى تأثير استئناف الحياة الزوجية على توفر كل من الركنين المادي والمعنوي لجنحة عدم دفع النفقة؟ هل أن الحكم الصادر بالنفقة يبقى نافذ المفعول، بالرغم من عودة الزوجة إلى عش الزوجية؟
يبقى الحكم بالنفقة مبدئيا قائم الذات طالما لم يسقط بحكم القانون أو بحكم قضائي لاحق له، وعلى هذا الأساس ما على الزوج الذي يريد أن يتحرّر من نتائجه إلا أن يقوم بقضية في إيقاف مفعوله بناءا على استئناف الحياة الزوجية، أو على الأقل أن يتحصل على وثيقة تمضي عليها زوجته تعترف فيها بأن زوجها بصدد تنفيذ حكم النفقة.
فإن سلك الزوج هذا الطريق واستصدر حكما بإيقاف مفعول الحكم الأول، أمكن له أن يدفع به عن نفسه تهمة التلدّد باعتباره من الأوجه الدفاعية الجوهرية وعلى محكمة الموضوع أن تجيب على هذا الدفع، وهذا ما أقرته محكمة التعقيب التونسية في أحد قراراتها بقولها "إذا اتضح من أوراق القضية أن المتهم بعدم دفع النفقة تمسّك لدى محكمة الأصل بأن زوجته المتضررة استأنفت الحياة الزوجية معه وأصبحت تعاشره، وقد استصدر حكما يقضي بإيقاف النفقة المحكوم بها لفائدتها، فإن الحكم الذي لم يجب على ذلك الدفع والحال لأنه من الأوجه الدفاعية الجوهرية يكون ضعيف التعليل وهاضما لحقوق الدفاع"( )، باعتبار أن استئناف الحياة الزوجية واستصدار الزوج لحكم جديد، يوقف مفعول الحكم القديم الذي حمله واجب دفع الدين المدني ينفي لا فقط الركن القصدي للجريمة لانتفاء العمد، بل وينفي كذلك ركنها المادي إذ بإسقاط الحكم المدني ينتفي الشرط الأول للجريمة.
لكن السؤال المطروح، هو هل أن رجوع الزوجة المحكوم لها بالنفقة إلى مساكنة زوجها يكفي في حد ذاتها لدفع التهمة عن الزوج، حتى بدون استصداره لحكم جديد يوقف مفعول حكم النفقة القديم ؟
أظن أن الجواب لا يكون إلا بالإيجاب، فالحكم لا يكون بالتالي في صورة صدوره إلا بعدم سماع الدعوى الجزائية الموجهة على الزوج المتهم. "لأن حكم النفقة الواقع الاستناد عليه من الشاكية، أصبح بلا مفعول قانوني بمجرّد ثبوت رجوعها – بعد استصداره – إلى مساكنة زوجها مستغنية بذلك على تنفيذه. ويعتبر رجوع الزوجة للمساكنة موجبا واقعيا ينتفي معه واجب تنفيذ حكم النفقة الصادر لفائدتها، ويبدو أن هذا الاتجاه الذي يتبعه عديد قضاة النواحي، يتسم بقدر كبير من الإنصاف والمنطق. وهو على ما يبدو الاتجاه الذي قد تكون محكمة التعقيب مالت إليه في قراراها المذكور سلفا"( ).
فتمسّك الزوج بعودة زوجته إلى محل الزوجية، يعد من الدفوع الجوهرية ليست فقط لأنه يقضي على الركن المادي لجريمة عدم دفع النفقة وجراية الطلاق بإثبات الإنفاق المباشر للزوج على زوجته المعاشرة له، وإنما أيضا لأنه سوف تعدم الركن الأدبي لتلك الجنحة. فالزوج الذي يساكن زوجته بصفة عادية لا يدور بخلده غالبا أن يرسل إليها ولو صوريا حوالة بريدية فيها مبلغ النفقة المحكوم به. فعودة الزوجة إلى بيت الزوجية قرينة على استئناف الإنفاق عليها.
إسقاط حق القاصر في النفقة :
تسعى بعض الأمهات إلى إبرام اتفاقات كتابية مع أزواجهن عند انفصام العلاقة الزوجية بطلاق، يكون موضوعها تنازل عن المطالبة بنفقة المحضونين مقابل عدم مطالبة الأب بحضانة الأبناء وتمكين الأم من ذلك.
ولكن قد يحصل أن تقوم الأم الحاضنة بدعوى في النفقة لصالح الأبناء نظرا للحاجة الأكيدة لذلك، فهل يمكن للأب أن يدفع عنه التهمة اعتمادا على كتب التنازل المبرم مع الحاضنة ؟.
إن الإجابة لا تكون إلا بالنفي، خاصة وأن النفقة تعد من مؤسسات النظام العام، التي لا يمكن الاتفاق على تركها أصلا ولا يجوز الصلح فيها، وإنما يجوز الاتفاق في كيفية دفعها، وبالتالي ليس للأم والأب أن يتفقا على إسقاط نفقة أبنائهم. ثم حتى لو افترضنا جدلا أن النفقة لا تهم إلا مصلحة الأطراف، فإن هذا التصرّف في حق الأبناء القصر ضار بهم ضررا محضا، وبذلك فهو باطل بطلانا مطلقا طبق أحكام الفصل 156 من م.أ.ش
وتأسيسا على ما تقدّم، لا يمكن للأب المحكوم عليه بالنفقة أن يتعلّل بزوال موجب الدين، لأن الأم قد تنازلت عن نفقة أبنائها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
 

أركان جريمة عدم دفع مال النفقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى القانون والقضاء ::  :: -