يعني بكل ما هو قانون:نصوص قانونية، فقه وفقه قضاء
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
التبادل الاعلاني
منتدى
المواضيع الأخيرة
» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:41 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:40 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:39 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:38 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:38 am من طرف tip top center

» البرنامج التدريبي أكتوبر - نوفمبر - ديسمبر 2015
الأربعاء سبتمبر 16, 2015 9:37 am من طرف tip top center

» دورة في "الترجمة التتبعية"
الخميس سبتمبر 10, 2015 12:14 pm من طرف tip top center

الإبحار
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم

شاطر | 
 

 نظم الاجراءات الجزائية (منقول)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انيس
مشرف
مشرف


عدد الرسائل : 77
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 22/02/2008

مُساهمةموضوع: نظم الاجراءات الجزائية (منقول)   الخميس مارس 20, 2008 12:45 pm

مقدمة
حق المجتمع في العقاب هو أخطر الحقوق التي يمتلكها حيال الأفراد وتعتني الدولة عناية قصوى بممارسة هذا الحق وتعتبره واجبا مطلقا لسلامة كيان المجتمع وإشاعة الأمن بين أفراده .
وتحقيقا لهذا الغرض تفصح الدولة بطريقة التشريع عن أنماط السلوك التي تعتبرها جرائم وتعيّن العقوبات التي تسلّط على مرتكبيها ويطلق على مجموعة هذه القواعد التي تحدد أنواع الجرائم والعقوبات اسم " القانون الجنائي " أو "قانون العقوبات " . بـيد أن العقوبات المقرّرة في القانون الجنائي لا يمكن تطبيقها فورا وبصفة آلية على مرتكبي الجرائم لمجرّد ارتكابهم إيّاها، فالقاتل لا يعدم فور إقدامه على القتل والسارق لا يعاقب بالسجن فور اختلاسه أموال الآخرين بدون رضاهم إذ لابد لتنفيذ العقوبات المقرّرة في القانون على المجرم من أن تحكم عليه سلطة قضائية مختصة ومآل ذلك كله أن ردّ الفعل الاجتماعي حيال الجريمة ومقترفيها لا يجوز أن يكون في المجتمعات الحديثة تعسفيا انتقاميا و إنما يجب أن يكون منظّما واعيا مضبوطا بعيدا عن روح الثّأر و متّصفا بالأمانة و الاعتدال وحب الحقيقة من خلال ما يدعى في لغة الاصطلاح القانوني "الإجراءات الجزائية".

إذ تمثل مادة الإجراءات الجزائية عمليا حلقة ربط بين الجريمة والعقوبة، وذلك من خلال المرور بمختلف مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة، بما يسمح معه أن تنتقل قواعد القانون الجزائي من مستوى المبادئ والنظريات إلى مستوى واقع ملموس مجسّم في شكليات وإجراءات، لذلك تميّز قانون الإجراءات الجزائية بطابعه الشكلي. فالقانون الجزائي يشتمل بمعناه الواسع على نوعين من القواعد أحدهما يشمل القواعد الموضوعية، ويطلق عليها اسم القانون الجزائي أو قانون العقوبات، أما النوع الثاني فيضم القواعد الشكلية ويسمى قانون الإجراءات الجزائية، ويحدد النوع الأول الأفعال التي تعد من قبيل الجرائم وبيّن الجزاء المسلط على كل منها، أما قانون الإجراءات فينطبق عند مخالفة أحكام القانون الجزائي، فوظيفته وضع أحكام هذا القانون (القانون الجزائي) موضع التطبيق والتنفيذ.

وعلى هذا الأساس فقد عرّف الفقه• قانون الإجراءات الجزائية بأنه يضم مجموعة القواعد التي تنظم وسائل التحقيق من وقوع الجريمة ومحاكمة مرتكبها وتوقيع الجزاء الجزائي، والفصل في الدعوى المدنية التي قد ترفع إلى القضاء الجزائي، وكذلك القواعد الخاصة بالطعن فيما يصدر عن هذا القضاء من أحكام وتنفيذ هذه الأحكام.

فقانون الإجراءات الجزائية يهدف إلى إقرار توازن بين إحترام الحرية الشخصية للأفراد واحترام المصلحة العامة حتى لا يفلت مجرم من عقاب، ووسيلته في ذلك ما يتضمنه من قواعد تخص التنظيم القضائي وتخص أيضا الإجراءات الواجب إتباعها والتقيّد بها في أعمال البحث والتحقيق والمحاكمة.

بالنظر للعلاقة الرابطة بينهما فإن تطبيق قواعد الإجراءات الجزائية يرتبط بقواعد القانون الجزائي، ويتأكد هذا كلما توفرت في الواقعة صفة الجريمة التي تجسم الاعتداء على حق المجتمع سواء تعلق هذا الحق بالدولة أو بالأفراد بما يخوّل للسلطة عامة حقا مشروعا في توقيع العقاب ولا يتم ذلك إلا عن طريق القيام بالدعوى العمومية.

كما تلحق الجريمة أضرار شخصية تصيب المعتدى عليه في ماله أو سلامه بدنه أو في حقوقه المعنوية، فيترتب عن هذا الضرر نشأة حقه في التعويض، ويقع ذلك عن طريق الدعوى المدنية، وبذلك تكون الجريمة سببا قانونيا للقيام بدعويين، دعوى عمومية تمارسها السلطة العامة بواسطة جهاز مختص يعرف بجهاز النيابة العمومية، ودعوى مدنية يمارسها المتضرر أو ما يطلق عليه اصطلاحا القائم بالحق الشخصي وذلك بصفة موازية للدعوى العمومية أو بصفة مستقلة عنها مثلما نص على ذلك الفصل 01 م إ ج التونسية الذي جاء به ما يلي : "يترتب على كل جريمة دعوى عمومية تهدف إلى تطبيق العقوبات ويترتب عليها أيضا في صورة وقوع ضرر دعوى مدنية لجبر ذلك الضرر".

ويمكن تعريف الدعوى العمومية بأنها حق الدولة ممثلة في سلطة الاتهام في ملاحقة مرتكب الجريمة وتقديمه للقضاء لتوقيع العقاب عليه.•

كما عرّفها الفقيهان الفرنسيان روجر ميرل Roger Merle و أندريه فيتو André vitu بما يلي :

L’action publique peut être définie comme l’activité procédurale exercée au nom de la société par le ministère public, pour faire constater par le juge compétent le fait punissable, établir la culpabilité du délinquant et obtenir le prononcé de la sanction établie par la loi."Roger Merle et André vitre : traité de droit criminel. T.II Procédure pénale 4ème édition Cujas p.38."

فالدعوى العمومية هي السلطة المخوّلة للنيابة العمومية نيابة عن المجتمع ولمصلحته في الالتجاء للقضاء للوصول إلى إثبات وجود فعل إجرامي معاقب عنه وإقامة الدليل على مرتكبه وتوقيع العقوبة المقررة له قانونا، فمن خلال هذا التعريف يتضح أن للدعوى العمومية خاصيتان تتعلق الأولى بأنها عامة والثانية بأنها غير معلقة على شرط.•

ففيما يتعلق بخاصية العمومية تستمد الدعوى العمومية هذه الصفة من طبيعة غايتها ومن صفة صاحب الحق فيها فهي تهدف إلى حماية مصلحة عامة وتوقيع العقاب على مرتكب الجريمة.

أما فيما يتعلق بعدم تعلق الدعوى العمومية على شرط فإن النيابة العمومية تتولى إثارة الدعوى،العمومية وممارستها أمام القضاء بقطع النظر عن مسك الجاني من عدمه فهي تثير الدعوى العمومية بمجرد حصول الفعل الإجرامي ودون توقف على أي شرط عدى في بعض الحالات الإستثنائية.

وفي فرنسا فقد تم تنظيم الإجراءات الجزائية في مجلة واحدة تعرف باسم مجلة الإجراءات الجزائية الصادرة بمقتضى القانون عــدد57 - 1426 المؤرخ في 31 ديسمبر 1957 وتحتوي تقريبا على 803 فصلا وقد تضمنت بابا تمهيديا يتعلق بالقواعد العامة للإجراءات الجزائية وخصصت جزء منها لممارسة الدعوى العمومية والتحقيق وجزء ثاني لمحاكم القضاء وجزء ثالث لطرق الطعن وجزء رابع إلى بعض الإجراءات الخاصة وجزء خامس إلى قواعد التنفيذ وتجدر الملاحظة أن هاته المجلة أدخلت عليها العديد من التنقيحات المتتالية.

أما في تونس تم تجميع النصوص المتعلقة بالإجراءات في المادة الجزائية في مؤلف واحد باسم "مجلة الإجراءات الجزائية لسنة 1968 الصادرة بمقتضى القانون عـ23ـدد لسنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968 المتعلق بإعادة تنظيم قانون المرافعات الجنائية وتشتمل على 377 فصلا، والتي تميّزت بمحاولـة التوفيق بين الحرية الفردية والمصلحة العامة، وتضمنت جملة من الأحكام التمهيدية تتعلق بالدعوى العمومية والدعوى المدنية، كما تضمنت قواعد متعلقة بإقامة الدعوى ومباشرة التحقيق وذلك من خلال تنظيم أجهزة الضابطة العدلية ووظائف حكام التحقيق ودائرة الاتهام، كما تضمنت قواعد متعلقة بتنظيم محاكم القضاء من حيث مرجع النظر وضبط اختصاص كل منها على حدة بالإضافة إلى تخصيص قسم للإعتناء بطرق الطعن وإجراءات تنفيذ الأحكام الجزائية وهاته المجلة تعددت وتتالت النصوص اللاحقة لها والرامية إلى تنقيح بعض فصولها لتواكب الإجراءات الجزائية الحديثة المعمول بها في أغلب تشاريع العالم.

و يلاحظ أن قانون الإجراءات التونسي ينتمي إلى النظام الذي تطبقه أغلب الدول الأوروبية كفرنسا و ألمانيا و إيطاليا. و هو نظام تمر فيه الجريمة فور ارتكابها عبر ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى لدى الضابطة العدلية التي يرأسها وكيل الجمهورية و المرحلة الثانية هي مرحلة التحقيق كلما كانت الجريمة من صنف الجنايات حيث يكون التحقيق وجوبيا مع بقاء التحقيق في الجنح و المخالفات اختياريا. أما المرحلة الثالثة و الأخيرة فهي مرحلة المحاكمة، بل و يلاحظ أنه و في إطار المرحلة الأولى و هي مرحلة الضابطة العدلية يمكن أن نميز بين مرحلتين فرعيتين الأولى و تتعلق بسلطة الضبط الأوّلي للجريمة و التي تمارسها الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية و التي يمتع القانون أعضاءها بصفة الضابطة العدلية.

في حين تتعلق الثانية بسلطة التتبع و يمارسها أعضاء من السلطة القضائية يمثلون النيابة العمومية و يخولهم القانون ممارسة التتبع و إثارة الدعوى العمومية أو حفظ القضية كلما تبين لهم أن استدلالات السلطة الضابطة للجريمة غير كافية قانونا لتوجيه الاتهام إلى شخص معين أو أن الأفعال لا تشكل جريمة أصلا و لذلك أطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة الأبحاث الأولية أو مرحلة الأبحاث الاستدلالية و التي يتولى فيها الضابطة العدلية القيام "بإجراءات تلقي البلاغ و ما يعقبه من إجراءات التحفظ على مسرح الجريمة و تجميع ما به من أدلة جنائية مختلفة و تحديد أطراف الجريمة من جناة و مجني عليهم و شهود"1 و ذلك لتمييزه عن البحث التحقيقي الذي تجريه السلطة القضائية ممثلة في قاضي التحقيق.

على أن البحث و سواء كان استدلاليا أو تحقيقيا يهدف إلى القيام بجملة من الإجراءات و الأعمال التي تكون ضرورية للتوصل إلى جمع الأدلة المادية و المعنوية قصد التمكن من معرفة الحقيقة في جريمة وقع إرتكابها " بحيث لا تطرح على المحاكم إلا التهم المركزة على أساس قوي من الواقع و القانون"2.

و بالتالي يتضح أن مادة الإجراءات الجزائية تقوم على قواعد إجرائيّة يقع إتباعها عند تطبيق القانون الجزائي والإجراءات المنظمة لـه لإحالة مرتكبي الجرائم على المحاكم ومعاقبتهم من أجل ما ارتكبوه في حق الفرد وحق المجتمع خاصة وأنه تنشأ عن كل جريمة دعوى عمومية فهذه الدعوى يقع القيام بها طبق قواعد إجرائية عامة منظمة تسمى النظام الاجرائي وقد اختلفت التشاريع المقارنة في تكريس الأنظمة الإجرائية للدعوى العمومية منها من اعتمد النظام الإتهامي (المبحث الأول) ومنها من اعتمد النظام التحقيقي (المبحث الثاني) ومنها من لم تكرّس كل القواعد الخاصة بهذه الأنظمة خاصة وإنما اقتبست قواعدها من النظامين وكرّستها في إطار نظام مختلط يجمع بينهما (المبحث الثالث).

المبحث الأوّل : النظام الاتهامي

يعتبر النظام الاتهامي من الأنظمة القديمة من حيث الظهور التاريخي، وجوهره يتمثل في اعتبار الدعوى العمومية بمثابة خصومة عادية بين طرفين متكافئين في مراكزهما القانونية فهي تجسيم لصراع بين طرفين أمام قاضي محايد ويلتزم بإعلان الحق في جهة هذا الطرف أو ذاك.

انطلاقا من تسميته فان النظام الاتهامي تنطلق فيه الدعوى العمومية باتهام يوجهه المتضرر لشخص ما وليس بشكاية، بحيث أن المتضرر يتحمل كامل مسؤوليته في توجيه الاتهام تجاه شخص تسبب لـه في ضرر نتيجة جرم ارتكبه في حقه ، ويرى الأستاذ أحمد فتحي سرور، "القانون الجنائي الدستوري، ص. 249." أنه في ظل النظام الإتهامي، كان مجرد توجيه الاتهام يمثل مساسا بالحرية الفردية، ويلزم ممثل الإتهام بتقديم الدليل على صحة دعواه، وكان يفترض في المتهم البراءة حتى يثبت عكسها، ولذلك كانت ضمانات الحرية الفردية هي السمة التي يتطبع بها هذا النظام ،" نفس المؤلف، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، مرجع سابق، ص. 593." ويتبع المؤلف مستشهدا برأي المحكمة الدستورية المصرية العليا بأنه"لا يعدو أن يكون افتراض براءة المتهم، أن يكون استصحابا للفطرة التي جبل الإنسان عليها، وهو كذلك وثيق الصلة بالحق في الحياة، وبدعائم العدل التي تقوم على قواعدها النظم المدنية والسياسية. ومن ثم،كان أصل البراءة جزءا من خصائص النظام الإتهامي". وبذلك يكون المتضرر هو المدعي ومن وجه ضده الاتهام هو المدعى عليه الذي صد هذا الاتهام، وبذلك يكون طرفي النزاع في مركز واحد ومتساوون في الدفاع عن مصالحهم. فالمتضرر يحاول تأييد دعواه في توجيه الاتهام. والمتهم يحاول صد الدعوى والدفاع عن حقوقه. وبذلك يكون هذا النظام الاتهامي قد أقر مبدأ المساواة بين طرفي النزاع.

كما أنه من خصائص هذا النظام الاتهامي أن الإجراءات المتبعة فيه هي إجراءات شفاهية باعتبار أن الفصل في الدعوى لا يتطلب زمنا طويلا إذ يكفي التثبت في وسائل الإثبات المدعى بها بصفة علنية أمام العموم.

و يتميز أيضا النظام الاتهامي بالطابع العلني للجلسات إذ أنه يقع السماح للأطراف بالترافع خلال الجلسة بحضور العموم وذلك ما يؤكد مصداقية الفضاء وخضوعه للرقابة الشعبية.

كذلك نجد أن هذا النظام يتميّز بالطابع الحضوري للإجراءات فلا يقع النظر في الدعوى إلا بحضور أطرافها، احتراما لمبدأ المساواة وحتى يتمكن كل طرف من إحضار ما توفر لديه من حجج ومؤيدات تقع مناقشتها بالجلسة أمام جميع الأطراف.

إن جميع هذه الخصائص هي من أهم مميّزات النظام الاتهامي وهي القواعد العامة التي يرتكز عليها والتي تهدف إلى إقامة العدل والمساواة فهل أن ذلك يجعله نظاما مثاليا ؟

لكن ولئن كان النظام الاتهامي يهدف إلى توفير حد أدنى من الضمانات لأطراف الدعوى العمومية في كامل أطوارها سواء كان المتهم أو المتضرر وذلك في سبيل السعي إلى إرساء قواعد العدل والإنصاف وإيصال الحقوق لأصحابها فان هذا النظام لا يخلو من عيوب.

فالمحاكمة بصفة عامة في كامل أطوارها سواء كان ذلك في مرحلة إثارة الدعوى العمومية أو مرحلة ممارستها وسيرها أمام القضاء أصبحت مجرّد حوار بين طرفي النزاع بصفة علنيّة يقتصر دور القاضي فيه على سماع الأطراف في هذا النزاع ثم بعد ذلك القضاء على ضوء ما أنتجه هذا الحوار، وبالتالي فإن دوره أصبح هنا دور سلبي يكتفي فيه بالإنصات إلى الطرفين. وهذا فيه خطر على مدى سلطة القاضي الجزائي في النزاع لأن القاضي هو الذي يسيّر النزاع وليس الأطراف.

كما أن هذا النظام يمكّن عددا كبيرا من المجرمين الحقيقيين من الإفلات من العدالة وبقاء مقترفي الجرائم بدون عقاب وفي ذلك مساس بمصالح المجتمع خصوصا بالنظر لضعف ومحدودية السلطات المخولة للقاضي ولغياب قضاء تحقيق أصلا.

فالدور الذي يلعبه قاضي التحقيق في النزاع هو دور أساسي خاصة وأنه يهيأ ملف القضية لجلسة المحاكمة إذ يقوم بكافة الأعمال التي تستوجبها الأبحاث وذلك لكشف الحقيقة.

هذا بالإضافة إلى أن سلطة النيابة العمومية في هذا النظام مقيّدة فليس لها الحق في إثارة الدعوى العموميّة كما هو معمول به في الأنظمة الأخرى بل إنها طرف في النزاع.

المبحث الثاني : النظام التحقيقي

يعتبر النظام التحقيقي حديث النشأة مقارنة بالنظام الاتهامي وجوهره يتمثل في أن الدعوى العمومية لا ترفع إلى القاضي مباشرة بل تمر قبل ذلك بمرحلة تجمع فيها الاستدلالات ويجرى فيها تحقيق وهو مرد اسم النظام التحقيقي ويمكن حصر خصائص هذا النظام في عنصرين أولهما يتعلق بالتتبع الجزائي أي إثارة الدعوة العمومية وثانيهما يتعلق بسير الدعوى.

ففي ما يتعلق بإثارة الدعوى العمومية فإن هذا النظام قد اقتصر في إعطاء الحق في إثارة الدعوى العمومية إلى هيكل مختص في ذلك وهذا الهيكل هو جهاز النيابة العمومية، وبالتالي فإن الاتهام لم يعد حقا يمارسه من يشاء كما هو في النظام السابق إذ أنه أصبح وظيفة تحتكرها الدولة وتباشرها عن طريق بعض أجهزتها.

وبالتالي فإن النيابة العمومية لها سلطة في إثارة الدعوى العمومية في النظام التحقيقي فهي الجهاز المختص في إثارة الدعوى العمومية وهذا ما يترتب عنه احتكار النيابة العمومية لهذا الحق وبالتالي اختلال التوازن بين عنصري الاتهام والدفاع.

أما فيما يتعلق بسير الدعوى فإن البحث عن الحقيقة في ظل هذا النظام هو من مشمولات قاض مكلف بذلك يسمى قاضي التحقيق والذي لـه دور إيجابي في الدعوى فهو الذي يقوم بتجميع الأدلة سواء كانت أدلة اتهام أو أدلة براءة وذلك في إطار ما كلّف به من بحث عن الحقيقة فيجب عليه التحري والتنقيب عنها كما تدل على ذلك تسمية هذا النظام (النظام التحقيقي). هذا بالإضافة إلى أن التتبع الجزائي في النظام التحقيقي مقيّد بشكليات كتابية تنجز في كنف السريّة إذ لا يطلع عليها إلاّ الأطراف المعنيين بالقضية.

و يقصد بسرية التحقيق أن تتم إجراءات التحقيق في غير علانية، وأن تخفى عن كل من لا يهمه أمر التحقيق بصورة شرعية، والسرية من مظاهر النظام التحقيقي، ومن المبادئ المسيطرة على التحقيق الإبتدائي .

وعلة ذلك لا تخفى على أحد وهي الإلمام بتفاصيل هذا التحقيق التي لم تصل بعد إلى غايتها ( كشف الحقيقة)، وقد يؤدي ذلك إلى التأثير على الشهود أو التلاعب بآثار الجريمة وأدلتها، أو العبث بمعالم الجريمة "سليمان عبد المنعم: أصول الإجراءات الجزائية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1997، ص 518."

فالنيابة العمومية في ظل هذا النظام تسهر على إثارة الدعوى العموميّة ضد مرتكبي الجرائم ثم تحيلهم مباشرة على قاضي التحقيق لمزيد البحث والتنقيب عن أدلة البراءة والإدانة ضد الشخص المحال عليه والمتهم بارتكاب جريمة ما.

فالنظام التحقيقي مؤسس على جهاز النيابة العمومية التي تمثل الجهاز الوحيد في إثارة الدعوى العمومية وقاضي التحقيق الذي أسندت إليه مهام البحث والتنقيب عن الأدلة حتى يتمكن من الفصل في الدعوى المعروضة أمامه.

إلا أن تميز النظام التحقيقي ببعض الإيجابيات المتمثلة في الضمانات التي يوفرها للمتقاضين عند النظر في قضاياهم بصفة عادلة وسريعة وذلك بالنظر إلى ما حققه هذا النظام من زجر سريع وفعّال لمرتكبي الجرائم لا يغطي النقائص الموجودة به.

إن النظام التحقيقي أخل بمبدأ عام ولا بد من توفره في كل النظم القانونية وهو مبدأ المساواة إذ أن هذا النظام منح النيابة العمومية سلطة مطلقة في إثارة الدعوى العمومية دون قيد أو شرط فهي الجهاز الوحيد الذي خوّل لـه القانون القيام بتتبع مرتكبي الجرائم وفي هذا نكران للأطراف المتبقية وهم المتهم والمتضرر. فالنيابة العمومية منحها هذا النظام حقوق وامتيازات جعلتها في مركز أفضل من المتهم فلا تعتبر خصما عاديا يقف مع المتهم على قدم المساواة. كما تدعم هذا بالسلطة التي خوّلها هذا النظام إلى قاضي التحقيق في البحث والتنقيب عن الأدلة الموصلة إلى الحقيقة وهذا ما فيه إخلال بمبدأ الحياد إذ أن قاضي التحقيق يصبح لـه دور في إتمام الأدلة وذلك بالبحث عنها عوضا عن تقديمها لـه من الأطراف.

هذا بالإضافة إلى السلطات الواسعة لقاضي التحقيق الذي خوّله القانون القيام بأي عمل من شأنه أن يكشف الحقيقة في مقابل حرمان وتجريد المتهم من بعض الضمانات الخاصة للدفاع عن حقوقه فلا نجد أن هذا النظام منح حقوقا للمتهم حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه خلال مراحل التحقيق خلافا للنظام الاتهامي الذي يضمن حقوق الدفاع ضمن مراحل البحث والتتبع الجزائي وفي ظل غياب هذه الضمانات يمكن حصول بعض التجاوزات والأخطاء.

رغم أن النظام التونسي والنظام الفرنسي تأثرا بهذا النظام التحقيقي إلا أنهما لم يعتمداه كليا وذلك للنقائص التي تشوبه مما دعا إلى البحث عن نظام وسطي يحد من سلبيات النظامين السابقين ويجمع بين مزاياهما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit.montadalhilal.com
محمود الاحمد
عضو
عضو


عدد الرسائل : 1
تاريخ التسجيل : 28/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: نظم الاجراءات الجزائية (منقول)   الإثنين يوليو 28, 2008 1:11 am

مشكور يا سيدي وقد سبق لي ان قرأت هذا المقال على موقع جوريسبيديا للقانون ورابطه هو
الرايط
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Maitre Bchini
عضو فعال
عضو فعال


عدد الرسائل : 61
تاريخ التسجيل : 10/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: نظم الاجراءات الجزائية (منقول)   الأربعاء ديسمبر 30, 2009 7:24 pm

thank you!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نظم الاجراءات الجزائية (منقول)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى القانون والقضاء :: 
منتدى القانون الجزائي
 :: قسم الإجراءات الجزائية
-
انتقل الى: